أقْوَالُ السلفِ عَن الحُكمِ بِغَيرِ مَا أنزَلَ اللهُ
عن ابن طاووس عن أبيهِ قالَ: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ?وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون?,, قالَ: (هي كفرٌ) ، وفي لفظ: (هي به كفر) ، وآخر: (كفى به كُفْره) ، رواه عبدالرزاق في تفسيره [1/191] ، وابن جرير [6/256] ، ووكيع في أخبار القضاة [1/41] وغيرهم بسند صحيح.
عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لعبد الله ابن مسعود ,?: ما السحتُ؟ قال: (الرشوة) ، قالوا: في الحكم؟! قال: (ذاك الكفرُ) ، ثم تلا هذه الآية: ?وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?، وهو عند الطبري وأبي يعلى وغيرهما ولا خلاف في صِحَّتِهِ عنه ,?.
قالَ ابنُ عبد البرِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ناقلًا عن إسحاق ابن راهويه: (قد أجمعَ العلماءُ أن مَن دَفع شيئًا أنزلهُ اللهُ أو قتل نبي وهو مع ذلك مقرٌ بما أنزل الله؛ أنه كافرٌ) .وللعلم أن إسحاق هو الذي نقلَ الإجماعَ على كفرِ تارك الصلاةِ فكيف يقبل منه في الصلاةِ ولم يقبل منه في الحكمِ؟! وتأمل أخي كلمة"وهو مقرٌ" [التمهيد 4/226] .
وكذا نبّه الإمامُ ابن حزم الأندلسي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في مواضعَ من كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) عمن أجاز الحكم بالشرائعِ المنسوخةِ كالتوراةِ والإنجيلِ وأن هذا كفرٌ، وتَكَلَّمَ عمن شرعَ مالم يأذن به اللهُ أو أبطلَ ما شرعه اللهُ وأن هذا كله كفرُ, وكلامه هذا ينطبقُ على واقعنا من حيث اختراع شرائع مخالفة لشرع الله وإيجاب الحكم بها والتحاكم إليها، مع تضمن هذه الشرائع المخترعة لإبطال ما شرعه الله تعالى, ومما قاله الإمام ابن حزم في بيان ذلك:
(أ) وقال الإمامُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (فإن كانَ يعتقدُ أنَّ لأحدٍ بعد موتِ النبيُ ? أنَّ يحرم شيئا كان حلالًا إلى حين موته عليه السلام، أو يحل شيئا كان حرامًا إلى حين موته عليه السلام، أو يوجب حدًا لم يكن واجبًا إلى حين موته عليه السلام، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فهو كافرٌ مشركٌ حلالُ الدمِ والمالِ حكمهُ حكم المرتدِ ولا فرق.) (الإحكام) 1/ 73.
(ب) وقال الإمام أيضا (وأما مَن ظنَّ أنَّ أحَدًَا بعدَ موتِ رسولِ الله ?، ينسخُ حديثَ النبيِّ ?، ويُحدثُ شريعةً لم تكن في حياتِهِ عليه السلام، فقد كَفَرَ وأشرَكَ وحَلَّ دمُهُ وماله ولحق بِعَبَدَةِ الأوثان، لتكذيبهِ قول الله تعالى: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » , وقال تعالى: « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ » , فَمَن ادَّعَى أنَّ شيئًا مِمَّا كَان في عَصرِهِ عليه السلام على حكم ٍما، ثم بُدّل بعد موته فقد ابتغى غيرَ الإسلامِ دينًا، لأن تلك العباداتِ والأحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهدهِ عليه السلام، هي الإسلامُ الذي رضيهُ اللهُ تَعَالى لَنَا، وليس الإسلام شيئا غيرها. فمن ترك شيئا منها فقد تركَ الإسلامَ، ومن أحدثَ شيئًا غيرها فقد أحدَثَ غيرَ الإسلامِ, ولا مريةَ في