أما وقد شرع لهم، وقال لهم: أطيعوا شريعتي:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (44) المائدة..."وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (45) المائدة..."وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (47) المائدة..."وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ"المائدة (49) .
الحُكمُ بَمَا أنزلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ تَوحِيدِ الربُوبِيَّةِ:
لمَّا كانَ تنفيذُ حكمِ اللهِ هو مقتضى ربوبيتِهِ وارتباط الحكمِ بما أنزلَ اللهُ بالتوحيدِ, وأنَّ مَن حَكَمَ بما أنزل الله فهو المُطِيعُ للهِ, وأنَّ مَن عَدَلَ عَن ذَلِكَ وحَكَمَ بغيرِ ما أنزَلَ الله فقد نصَّب نفسَه إلهًا مع اللهِ, سُمِّيَ المتبوعينَ في غيرِ ما أنزلَ الله أربابًا قال تعالي ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ?[التوبة: 31?
ويقولُ الإمامُ ابن حزم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في قوله تعالى: -: (لما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم، ويحلون ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، قد دانوا بها، وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف) [فصل 3/266] .
ويقولُ ابْنُ تَيمِيَّة رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في هذا الشأن -: (قد قال تعالى: ?اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ? التوبة(31) , وفي حديث عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما وكان قد قدم على النبي ? وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم .
وكذلك قالَ أبو البختري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أما إنهم لَم يُصَلُّوا لَهُم، ولَو أمَرُوهُم أَن يَعبُدُوهُم مِن دونِ اللهِ ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حَلالَ الأمةِ حَرَامَه، وحَرَامَهُ حَلَالَه، فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم وتحقيقهم الربوبية لغير الله تعالى, فقد بَيَّنَ النَّبِي ? أن عبادتهم إياهم كانت في تحليلِ الحرامِ، وتحريمِ الحلالِ، لا أنهم صَلُّوا لهم، وَصَاموا لهم، ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة الرجال، وقد ذكرَ اللهُ أن ذلك شركٌ بقولهِ: ?لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ?) [الفتاوى 7/670] .
ويقول الإمام العزُّ بن عبد السلام رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه.. وكذلك لا حكم إلاّ له) [قواعد الأحكام 2/134 - 135] .