الصفحة 36 من 122

ولا شك أن تحكيم الشريعةِ انقيادٌ وخضوعٌ لدين الله تعالى، وإذا كان كذلك فإن عدمَ تحكيم هذه الشريعة كفرُ إباء ورد امتناع، وإن كان مصدقًا بها، فالكفر لا يختص بالتكذيب والجحود فحسب كما زعمت المرجئة:

يقول ابْنُ تَيمِيَّة:'فمن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة، والصيام، والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح، ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله تعالى:? يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ? [سورة القلم] ' [الفتاوى 7/611، وانظر كتاب الصلاة لابن القيم ص 54] .

ويقولُ ابنُ عبدٍ البرِّ:'قد أجمع العلماء أن من دفع شيئا أنزله الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر [التمهيد 4 /226] .

إنّ تحكيم الشريعة استجابة لله تعالى، ولرسوله ? فيه الحياة والصلاح: كما قال تعالى:? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ? [سورة الأنفال- 24] .

ورفض هذه الشريعة وعدم الاستجابة لها اتباع للهوى، فهو ضلال في الدنيا، وعذاب في الأخرى: ويقول تعالى:? فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ? [سورة القصص50] .

وَيَحكِي ابنُ القيَّمِ شيئًا من عواقبَ تنحيةِ حكمِ اللهِ تعالى فقال:''لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليها، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان، وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير، وهرم عليها الكبير... '' [الفوائد ص 42 -43] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت