الصفحة 37 من 122

أهَمِيَّةُ إفْرَادِ اللهِ تَعَالَى بالحُكْمِ

وَبَيَانُ مَنزِلَةِ الحُكمِ بِمَا أنْزَلَ اللهُ

إنَّ الحُكمَ بما أنزلَ اللهُ وحده هو إفرادُ اللهِ بالطاعَةِ، والطاعةُ نوعٌ من أنواعِ العبادة، فلا تُصرَفُ إلا لله وحده لا شريك له، قال تعالى:? إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ? [سورة يوسف40] ، فعبادةُ الله تقتضي إفراده بالتحليلِ والتحريم، حيث قال سبحانه:? اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ? [سورة التوبة31] .

وتحقيقُ هذِهِ الطَّاعَةِ، وإفرادُ اللهِ تَعَالى بالحُكمِ والانقياد لشرعِهِ هو حقيقَةُ الإسلامِ، وكما قالَ ابْنُ تَيمِيَّة:'فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته دونه' [الفتاوى 3/ 91، وانظر النبوات ص 69- 70] .

ويقولُ ابنُ القيم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:'وأمَّا الرِّضَا بِدِينِه، فإذا قالَ أو حَكمَ أو أمَرَ أو نَهَى، رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلَّم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمرادِ نفسه، أو هَوَاهُ، أو قول مقلده وشيخه وطائفته' [مدارج السالكين 2/118] .

وَفِي المُقابل فإنَّ من أشرك مع اللهِ في حكمِهِ، فهو كالمشركِ في عبادَتِهِ، لا فَرقَ بينَهُمَا، كما قال الشنقيطي رَحِمَهُ اللهُ:'الإشراك بالله في حكمه، والإشراك في عبادتِهِ كلاهما بمعنى واحدٍ، لا فرقَ بينَهُمَا البتَّة، فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله، وتشريعًا غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحِد، وكلاهُما مشركٌ باللهِ' [انظر أضواء البيان للشنقيطي 7/162] .

ويقوُلُ أيضًَا:'ويُفهَمُ من هذه الآية:?وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا? [سورة الكهف26] .

أن مُتَّبعِي أحكَامِ المشرِّعِينَ غير ما شَرَّعَهُ اللهُ مشركون بالله، وهذا المفهومُ جاءَ مبينًا في آياتٍ أخرى، كقولهِ فيمن اتَّبعَ تشريعَ الشيطانِ في إباحَةِ الميتةِ بدعوى أنها ذبِيحَةُ اللهِ:? وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ? [سورة الأنعام 121] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت