الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية . وقيل غير ذلك والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا ولهذا قَالَ"يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت"إلى آخرها .
وقالَ الشيخُ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رَحِمَهُ اللهُ [فتح المجيد: ص 345.] : (فمن خالف ما أمر الله به ورسوله ?؛ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعًا لما يهواه ويريده؛ فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله: ?يزعمون? من نفي إيمانهم؛ فإن ?يزعمون? إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: ?وقد أمروا أن يكفروا به?؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد - كما في آية البقرة - فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بين في قوله تعالى: ? فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ?، وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به) .
وقالَ الشيخُ عبد الله أبا بطين [الدرر السنية: 2/301.] : (إن اسم الطاغوت؛ يشمل كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلال، يدعو إلى الباطل، ويحسنه، ويشمل أيضًا؛ كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية، المضادة لحكم الله ورسوله) .
وقالَ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي رَحِمَهُ اللهُ في قوله تعالى: ? وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ?، بعد أن ذكر مجموعة من الآيات التي تدل على كفر المتحاكمين إلى الطواغيت [أضواء البيان: 4/92.]
وقالَ الشيخُ أحمد شاكر [أضواء البيان: 4/92.] : (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس؛ هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ نفسه وكل امرئ حسيب نفسه) .
وَمِمَّا كَتَبَهُ الشَّيخُ مُحمد بن إبراهيم في هذا المقام قوله:
[إن قوله تعالى:?...يَزْعُمُونَ...[60] ? [سورة النساء] . تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ? مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ? فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه] [رسالة تحكيم القوانين] .