-تفسيرُ قوله تعالى? فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ? (النساء 65) .
يقولُ اْبنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: ''فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله، وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قَالَ تعالى:?إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ? أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر'' [تفسير اْبنُ كَثيرٍ 3/209] .
قالَ الطَّبَرىُّ رَحِمَهُ اللهُ, قَالَ أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فلا"فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد واستأنف القسم جل ذكره فقَالَ:"وربك"، يا محمد"لا يؤمنون"، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك"حتى يحكموك فيما شجر بينهم"، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه. يقَال:"شجَر يشجُر شُجورًا وشَجْرًا"، و"تشاجر القوم"، إذا اختلفوا في الكلام والأمر،"مشاجرة وشِجارًا".
"ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت"، يقول: لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما قضيت. وإنما معناه: ثم لا تحرَج أنفسهم مما قضيت أي: لا تأثم بإنكارها ما قضيتَ، وشكّها في طاعتك، وأن الذي قضيت به بينهم حقٌّ لا يجوز لهم خلافه. (تفسير الطبري 533) .
وقالَ ابنُ القيم في شرحِ منازلِ السائرين: الرضا بالقضاء الديني الشرعي واجبٌ وهو أساسُ الإسلام وقاعدةُ الإيمان , فيجب على العبدِ أن يكونَ راضيًا به بلا حرجٍ ولا منازعةٍ ولا معارضةٍ ولا اعتراض.
?ويزيدُ قائلًا: فأقسم سبحانه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله, ويرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه, ويسلموا لحكمه, وهذا حقيقة الرضا بحكمه; فالتحكيم في مقام الإسلام, وانتفاء الحرج في مقام الإيمان, والتسليم في مقام الإحسان, ومتى خالط القلب بشاشة الإيمان, واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين, وحيي بروح الوحي وتمهدت طبيعته, وانقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وادعة,?وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم, فقد رضي كل الرضا بهذا القضاء الديني المحبوب لله ورسوله, والرضا بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه من الصحة والغنى والعافية واللذة أمر لازم لمقتضى الطبيعة, فإنه ملائم للعبد محبوب له , فليس في الرضا به عبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف بالمنة ووضع النعمة مواضعها التي يحب الله أن توضع فيها, وأن لا يعصي المنعم بها.