ثُمَّ إنَّ حديثَ النبيِّ ? ? لا تجتمع أمتي علي ضلالة ? أخرجَهُ ابن ماجه، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم،حديث رقم3950, أخرجه أبو داود في سننه،كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، حديث رقم 4253, فَلا وَجهَ للاستدلالِ بِه عَلى سيادةِ الأمةِ فلو أجمَعَت أغلبيةٌ علىَ الحقِ فلله الحمدُ والمنةُ, أما إن اجتمعَت عَلى خلافِ ما جاءَ به النبيُّ ? فلا اعتبارَ لهذَا الاجتماعُ حينئذٍ, مع أنَّ المقصودَ هَا هُنا هو إجماعُ الأمةِ وليسَ أغلبيةُ الأمةِ كمَا يعتَقِدُ الكثير, فتنبه لهذِهِ النقطَة علمني اللهُ وإيّاكَ.
وقد نَظَم ابنُ القيِّم هذا المعنى، فقَال (الكافية الشافية)
يا سلعة الرحمن ليس ينالها * في الألف إلا واحد لا اثنان.
فالمسلمُ ملزم بإتباعِ الشرع، وليسَ بقبولِ رأي الأغلبيةِ، فلو اتَّفقَ أعضاءُ مجلسِ الأمةِ أو الشورى عَلى تبني رأيٍ مخالفٍ للشرعِ؛ وكذلك لو وافقوا شرع الله, فإنَّ هذا الرأي بميزان الشرع يُعدُّ رأيًا باطلًا، حيثُ أنَّ العبرةَ ليسَ في عددِ المصوِّتين للقانونِ، بل العبرةُ بانبثاقِ التشريعِ من التشريعِ الإسلامِي واتفاقِه مَعَهُ.
وَهَذا يجعلنا نستطرِقُ إلى التَّعدُديةِ الحزبيَةِ وحكمِهَا في الإسلامِ.
التعدديةُ الحزبيةُ وحكمُ الإسلامِ فيها وحريةُ تشكيلِ الأحزابِ السياسية
جَاءَ الإسلامُ وحاربَ التفرقَةَ وَمَن دَعَا إليهَا وَدَعَاهُم إلى التَّوَحُدِ تحتَ رايةِ التوحيدِ لتسودَ المودةُ فيما بينَهم لتقوَى لُحمَةُ المجتمعِ المسلم ليستطيعُوا مُواجَهَةَ عَدوِّهِم ويكونوا يدًا واحدةً على مَن سِوَاهُم.
قَالَ تعالى ?وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة? الأنبياء 92, وقَالَ تعالى ?وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا? آل عمران 103.
ومن ثَمَّ وكما أسلفنا أنَّهُ من أسسِ ومبادئ النظامِ الديمقراطيِّ الحرِ, حريةُ تعددِ الأحزابِ السياسيةِ وغيرِها من التجمعاتِ في المجتمعِ الواحدِ، بغضِّ النظرِ عَن عقيدةِ ومبادئ ومناهج هذه الأحزاب والتجمعاتِ.
وفيها الاعترافُ بصورةٍ أو بأخرَى بشرعيةِ الأحزابِ والجماعاتِ بجميعِ أطيافِهَا واتجَاهَاتِهَا الفكريَّةِ ( ليبرالية كانت أو اشتراكية ) وأنَّ لهَا الحقُّ في التعامُلِ مَعَ النَّاسِ والاختلاطِ بِهِم ودَعوةِ النَّاسِ إلى فِكرِهَا وعقيدَتِهَا وكُفرِهَا بينَهُم .
ومنها الاعترافُ بالأحزابِ الكفريةِ ( العلمانية والديمقراطية ) والاعترافُ بحقِّها في الوجودِ والاعترافُ بحقِّهَا في نشرِ دعوَتِهَا ونشر فِكرِهَا بينَ النَّاسِ وبثِّ سمومِهَا بين المسلمينَ وهذا مخالفٌ لنصوصِ الدينِ التي تأمر بالبراءِ مِنَ الشِّركِ وأهلِهِ, كَمَا في قوله تعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ? [ الأنفال: 39 ] , ناهيكَ عَن