ورسالته هي آخر الرسالات أرسله برسالتهِ الكاملةِ الصالحةِ لجميعِ الخلقِ في جميعِ الأزمانِ والأماكنِ وليس لعاقلِ عذرٌ في مخالفتهِ صلى الله عليه وسلم ولا في التخلف عنه كما جاء في الحديث ?والذي نفسي بيده ما يسمع بي من يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار? اللفظ لمسلم, فهو كما أنه مبعوثٌ لجميعِ أهلِ زمانهِ قاطبةً مبعوثٌ أيضًا لمن سيولد بعده، فهو نبيٌ لهم جميعًا، فالتعميم للرسالة مقصور عليه -عليه الصلاة والسلام- لا يتعداه إلى غيرهِ، فهو مُرسل إلى جميع المكلفين من الثقلين إرسال تشريف، وما كُلِفَّ به الأنسُ تفصيلًا وإجمالًا فقد كُلِفَّ به الجنُ كذلك، وشملَ ذلكَ يأجوجَ ومأجوجَ (وهم أولاد يافث بن نوح، وقيلَ غيرَ ذلكَ) .
فإن الإعتقادَ بشموليةِ دينِ الإسلامِ وصلاحيَتِه لكلِّ زمانٍ، وكلِّ مكانٍ، ووفاءِه بكلِّ متطلباتِ الإنسانيَةِ الدينيةِ والدنيويةِ واجبٌ، ومن اعتقدَ خلافَ ذلكَ كفرَ، أوْ أنَّ الإسلامَ يصلحُ لزمنٍ دونَ زمنٍ، أو لطبقةٍ دونَ أخرَى، أو أن غيرَه أصلحُ للناسِ مِنه، وأوفَى بمتطلباتِهِم، فقد كَفَرَ، لأنَّ اعتقادَه هذا يتضمَّنُ تكذيبَ نصوصِ الوَحي المصرحَّةِ بكمالِ الدينِّ، ووفائِهِ بما يحتاجُ إليه الإنسانُ من أمرِ ديِنِِه وسياسةِ دُنيَاهُ، كما أنه يتضمَّن تنقيصَ هذا الدين، والحطَ من قدرِ الرسولِ ? الذي جاءَ بِه، و بذالك يكفرُ صاحِبُهُ قَطعًا، وَكُلُّ هذا معلومٌ من الدينِ بالضرورةِ.
وقد وضح بْنُ تَيمِيَّةَ هذا الجانبَ من تفكيرِ البَعضِ في تَوَهُّمِهِمِ عدمِ كفايةِ الشريعةِ وعدمِ وفائِهَا باحتياجاتِ البشرِ بقولِهِ (هذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها, وأفرطت فيه طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتاب) ومع ذلك نجد من يُعرِض - وإنا لله وإنا إليه راجعون - ونجد مِنهُم من يجادِلُ في إمكانيةِ تطبيق دينِ النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الزمان و قوله ?: ?وأرسلت إِلَى الخلق كافة، وإنما كَانَ النبي يبعث إِلَى قومه خاصة? متفق عليه واللفظُ لمسلمٍ (وقد سبق ذكره والتعليق عليه أيضا) , وَفِي ذلك بيانٌ لصلاحيةِ الشريعةِ لجميعِ الخَلائِقِ.
يقولُ ابنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده، وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا تُحْوِج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به، وقد توفي رسول الله وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما، وعلَّمهم كل شيء حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة والصَّمْت والكلام والعزلة والخلطة