هؤلاء الذين يعملون من غير ذكرى الدار الآخرة:- (( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا ) )،فهل يجرؤ دعاة بناء المدنية الإسلامية اليوم أن يقولوا في خطابهم السياسي والاجتماعي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطابه الأول حين دخل المدينة ليبنيها بناء الإسلام ويقودها على هدي القرآن؟.
إن تفكرت في هذا علمت سبب التأييد الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم والمقتفين أثره، ولماذا أكلت المدينة غيرها من المدن، ولماذا صار رجالها هم صناع التاريخ وبناء الحضارة، ثم علمت كذلك لماذا يرتكس زاعموا الإصلاح اليوم في وديان الذلة والمهانة، ولم يزد أمرهم إلا تقليد الكافرين في دينهم في معرفة ما هو الصلاح والفساد في الوجود.
المدينة النبوية مدينة الطاعات الإلهية، ومدينة الدين ولأنها كذلك فإن الانسان فيها حبيب لأخيه المسلم قولًا وفعلًا، قلبًا وقالبًا، وهو كذلك عابد لربه مخْبت له في السر قبل العلن، وفي الليل كما في النهار، وهو في سعيه ذلك إنما عينه على تحقيق الرضى الإلهي ودخول الجنان.
إنهم يقولون اليوم في زماننا الكثير، وكل ما يقولونه إنما ينشأ عندهم من غير نبت حب الدار الآخرة لكنهم يأتون إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتخذوا منه حلية زائدة لما يقولون ويفعلون، فلا عجب أن تجد مؤسسة أمنية مجرمة؛ تقتل المسلمين المجاهدين، وتعذب الدعاة الموحدين، وتخدم المجرمين والطواغيت والمشركين تتخذ شعارًا قرآنيًا لها، كما إنك تجد مؤسسة علمية أخرى لا علاقة للرئيس فيها ولا المرؤوس مع الدار الأخرى، ولا لهم رغبة بالجنان، ومناهجها جاهلية إلى النخاع وهي مع ذلك تزين شعارها بآية قرآنية تحض على العلم والتعلم، ولذلك صار الدين تابعًا أسيرًا، كما توزعت خيراته التي أتى بها فروعًا لأصل ارضاء الله ودخول الجنان إلى أشلاء ميتة بين أيدي أناس لا يقيمون لدين الله شأنًا.
هذا التنازع على هذه الأشلاء الميتة لانقطاعها عن الأصل أصاب العالمين لاصلاح العالم الاسلامي من رافعي شعار الاسلام، ودليل ذلك قبولهم الدخول في نفس النسق الذي تحكمه الجاهلية، فلا يجوز في أسس هذه الجاهلية أن تعلن في برنامجك الاقتصادي حرمة الربا لأن فيه محاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا لأنه يحقق المحق الإلهي، بل لك الحق أن تضع في برنامجك الاقتصادي ما تحب من ذلك كحرمة الربا لكن على أساس قواعد الجاهلية في قطع هذا كله عن الآخرة وحب الله أو بغضه، ولذلك صار الخلاف بين الاسلام وغيره من الجاهلية والكفر منسيًا بسبب هذه الظاهرة الخطيرة، ولم يعد الناس في بصيرة من أمرهم في معرفة حقيقة الفريقين، لأن الخلاف بينهم في ما يعرض بسبب انحراف (دعاة الاصلاح تحت مظلة الجاهلية) صار شكليًا، ودنيويًا بحتًا لا لوجود لاسم الدين فيه، ولا لاسم الله ولا للغيب ولا للدار الآخرة، فهل بعد ذلك كله يحق لأحد أن يسأل لماذا يرتكس هؤلاء في وديان الذلة والفشل، ولماذا ترتد تجاربهم عاراّ على الاسلام والمسلمين؟!