لقد ذهب هؤلاء بعيدًا عن جوهر الخلاف بين الإسلام ومخالفيه، بل إن الكثير من الأحزاب الاسلامية قد زحفت إلى مواقع العلمانيين لا لترثها هداية لأهلها بل لتنافسها في وراثة دينها وجوهرها، ولذلك فلا عجب أن يطالب بعض الغيورين فيها ممن فيهم بقايا دين لهذه الأحزاب (السياسية) أن يلتزموا بالأحكام الشرعية في ما يخص سلوكًا مشينًا لنساء هذا الحزب في احدى الاجتماعات فتنبري له ابنة رئيس الحزب التي لبست لباسًا يمثل حالة هزلية لشعار الجمع بين (الأصالة والمعاصرة) ، فهو في أصالته سابغ، وفي معاصرته شاف لما تحته لتقول لهذا المسكين المتدين!!:- نحْن هنا في حزب سياسي ونرفض أن تعيدنا أنت وأمثالك إلى القرون الوسطى.
مسكين هذا (المتدين) لأنه لم يعلم أن الجماعة ذهبوا بعيدًا، وكم كنت أتمنى من هذا (المتدين) أن يطالب بوضع توصية في هذا المؤتمر لتحض أتباعه على قيام الليل حتى نرى بسمات السخرية وضحكات الاستهزاء كيف ستنطلق من هؤلاء المجاهدين في هذا الحزب العتيد، ودعوني أذهب في الحلم بعيدًا فأتخيل ما لو طلب هذا (المتدين) أن يخصص في اجتماعات الحزب وقتًا للحديث عن الجنة والنار وعذاب القبر، وسأترك للقارئ تخيل ما سيصنعه هؤلاء (( المثقفون ) )الذين يريدون اعادة الاسلام إلى حياة الناس وقيادتهم.
إن الدعوة الجامعة لتيارات العمل الاسلامي بإحياء الاسلام وتجديد الدين وفتح باب الاجتهاد، والعودة للكتاب والسنة هي مجرد شعارات يقف الكثير من أصحابها على تجديد الورق والحرف، وعلى احياء حرب الكلمات بين الفرق التي لم يعد لها وجودها إلا مجرد انتساب (( قبلي ) )عند مؤسسات وطوائف تعتاش وتأكل من هذا الانتساب، وهي دعوة عند كثيرين لا تعني أبدًا إلا مجرد مفتاح للولوج إلى عالم لا يمت إلى الدين والتدين بصلة، بل هو فتح لباب التشهي النفسي والاستحسان العقلي للقول على الله وعلى دينه ما ليس فيه، مما يصنع دينًا خاضعًا لقانون العصر الذي يعتمد على الشهوة واللذة والمصالح الدنيوية والذاتية، اذ عامة أتباع هذا الفريق لا يعلمون شيئًا عن كتاب الله ولا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جل اهتماماتهم قراءة (( فكرية ) )بدأت من وسط اسلامي مقارب ووصلت إلى المحيط العلماني ورؤيته للدين ومهمته في هذه الحياة، فتضلعوا من قيحهم وصديدهم فلم يبق بينهم وبين الدين إلا صلة الاسم والدعوى والشعار، ولذلك فلا عجب أن يصل رأس الخط البياني في الفساد عندهم أن يدخلوا في دين المشركين والكافرين الذين أفسدوا العباد والبلاد.
هذا الصراع بين فريق الحرف والورق والأحزاب القبلية القديمة، وبين وفريق (( الاسلام العصري ) )هو ما يتجاذب الوسط الاسلامي، ولا يقع المرء الذي يريد دين الله إلا في أحد الفريقين فلا يصدر بعد ذلك إلا القليل ممن يأخذ هذا الدين من مصدريه، فيقبل بقلبه وعقله على الكتاب والسنة من خلال منهج الصحابة ووراثهم، ويذهب في هذا الباب بكله وبجد واصرار، داعيًا ربه أن يوفقه للحق، وأن يهديه لأرشد أمره وأن يبصره سواء السبيل.