كما كانت هذه الكلمات حاوية لأسس المدن السعيدة التي تستحق البقاء والدوام، كما تستحق الوراثة والقيادة للإنسان والعالم.
لقد أرست قواعد الأمان الاجتماعي والأمان الاقتصادي، ووجهته إلى أعظم ما في هذا الوجود وهو أمان الله تعالى بحسن العلاقة بين العبد وبينه، وهذا هو مصدر السلام الوجودي كما قال تعالى (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ).
بهذه الكلمات الجليلة كانت الخطبة النبوية الأولى لهذا المجتمع الجديد الوليد، إذ وجههم إلى أنفسهم، وحملهم هم قضية التغيير، فلم يصنع ما يصنع اللاّغون من حمل الوعود إليهم، فليس هم إلا بأنفسهم، فعليهم إن أرادوا الجنان وما يسبقها من الفوز أن يسعوا هم، وأن يبذلوا جهدهم هم، ولذلك كانت هذه الكلمات دالة أنه جاء ليأمرهم ويرشدهم ليعملوا ويجتهدوا ويبذلوا، فينفقون طاقتهم، ويسهرون جهدهم، وهذا هو سبيل الهدى النبوي لا ما يفعله جهلة اليوم من الذين يسوّقون أنفسهم للناس أنهم يملكون العصا السحرية للتغيير، وكأن الأمة مفعولًا به لا فاعلًا، فيستمع الناس لهم وقد امتلأت جوانحهم بأحلام الغد الذي يحمله هؤلاء السحرة فيرجعون إلى بيوتهم بلا تكاليف ولا عزائم جديدة، وتمضي الأيام ولا يبقى من هذه الخطب إلا الكلمات الفارغة التي لم تحقق إلا وهمًا وكسلًا.
إن هذه الارشادات النبوية ميزان يقاس به صدق الدعاة والمصلحين، فمن لا يدندن حولها فهو مبطل، ومن سار بالناس على غير هديها وسبيلها فإنما هو متقفر طرق الهدى والخسران، كما إن هذه الكلمات هي مقياس معرفة أولئك الذين يقفون على أبواب المدن عارضين أنفسهم للقيادة الرشيدة التي تحقق لإنسان هذه المدن السعادة، لأن زماننا قد شهد زحمة كبرى في هذا الباب، وقد صار أسهل ما يتقمصه أهل صناعة الكلمات ما يقال له العمل السياسي، وقد تماهى المسلم مع غير المسلم في ما يقول ويدعو إليه، واتحد أمرهما حتى إنك لا تميز بين ابليس وغيره، ولا بين كافر ومسلم، وبمجرد ذكر الآخرة والجنة والنار يعني أن صاحبنا لم يعد مصلحًا سياسيًا ولا مصلحًا اجتماعيًا بل هو مجرد واعظ مسجد، وما أسرع أن يقال له:- كف عن هذا فلسنا في خطبة جمعة، أو لسنا في موعظة دينية، ولذلك غاب الايمان عن الذكرى، وغابت معالمه في خطاب المصلحين المسلمين!! (زعموا) ونسوا قوله تعالى (( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ).
النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد المصلحين، وإمام دعاة الخير، وهو خير من أقام مجتمع الخير والأمن والسلام عَلَّم المهتدين والمقتدين بأثره أن يجيشوا الناس وراءهم تحت دعوة واحدة، وتحت وعد واحد لا غير: الجنة، فالآخرة هي الأصل، وكل خير إنما يكون خيرًا وصلاحًا بسبب ارتباطه بهذا الوعد الالهي، وإن خلا العمل من هذا الارتباط كان وبالًا وفسادًا وضلالًا حتى لو كان على صورة الخير كما قال تعالى في أمثال