قال ابن رجب رحمه الله في شرح العلل (ج2 ص582) : (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممّن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزُّهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) . اهـ
فيُعدُّ وهم الراوي وما يتابعه من مسائل، مِنْ أكثر قضايا علوم الحديث التي شغلت بال النُقَّاد، ونجد إعلالهم لكثير من الروايات بهذه العلة واضح متوافر في كتب الرجال والعلل، كما أنهم عنوا بمعرفة وحَصْر كل راو ثبت أنه عانى من الوهم والخطأ والخلط، وصُنّفت في ذلك كتب من قبل الحفاظ ولا يستغني مشتغل بالحديث وعلله عن معرفة هؤلاء المختلطين والمخطئين، وما لكل واحد منهم من روايات دخلها الوهم والغلط.
ولهذا كان النُقَّاد يجدون مشقة بالغة، وهم يفتّشون في أسانيد مختلفي الأمصار ويتفحصونها.
ولأجل هذه الصعوبة التي ذكرت، ينبغي للناقد الذي يريد اكتشاف الوهم في روايات مختلفي الأمصار، أن يكن ذا دراية تامة، وإحاطة شاملة بالمختلطين والمخطئين وأخبارهم، وأساليبهم في ذلك، وعمّن أخطئوا، وعدد رواياتهم الشاذة إلى غير ذلك من قضايا تساعد في تجلية هذه المشكلة حتى يتسنَّى له اكتشاف الوهم في الروايات. [1]
وكذلك يبين جهود علمائنا رحمهم الله تعالى في حفظ السُّنة النبوية.
ومما لا ريب فيه أن كلَّ جُهدٍ لأي عالم فهو عُرْضَةٌ للأخذ والرّدّ، ولذا فإن الحافظ مُسْلِم رحمه الله أورد في كتابه الصحيح عددًا من الأحاديث أصاب في صحة بعضها، وأخطأ في البعض الأخر، فله أجر على اجتهاده في تبيين السنة النبوية.
(1) والكلام في وهم الرواة ودخول الوهم في الرواية طويل متشعّب، وضرورة النُقاد التنبيه على مثل هذه الأوهام.