وقد اشتكى العلماء قديمًا من نُدرة المُؤهلين للنظر في هذا العلم، بل في وجودهم أصلًا في بعض العصور.
قال أبو حاتم الرازي رحمه الله: (لمّا مات أبو زُرعة الرازي رحمه الله:(ذهب الذي كان يُحسن هذا المعنى - أي التعليل - يعني أبا زرعة، ما بقى بمصر، ولا بالعراق أحد يُحسن هذا) . [1] اهـ
وقال أبو زرعة رحمه الله عن علل الحديث: (فما أقل أن تجد مَنْ يُحسن هذا) . [2] اهـ
وقال ابن الجوزي رحمه الله في الموضوعات (ج1 ص31) : وهو يتكلّم عن نُقّاد الحديث: (غير أن هذا النسل قد قلّ في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب) . اهـ
وقال ابن الجوزي رحمه الله في الموضوعات (ج1 ص31) : (فكان الأمر متحاملًا إلى أن آلت الحال إلى خلف لا يفرّقون بين صحيح وسقيم، ولا يعرفون نسرًا من ظليم) . اهـ
قلت: يرحم الله أئمة الحديث كيف لو أدركوا زماننا ماذا عسى هؤلاء أن يقولوا اللهم غفرًا.
ونظرًا لوظيفته في الكشف عن الأوهام نجد ناقد العلل يفرح لظفره بعلَّة حديثٍ عندَهُ أكثرَ من فرحه بأحاديث جديدةٍ يضيفها إلى رصيده.
قال عبدالرحمن بن مهدي رحمه الله: (لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إليّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي) . [3]
وتقديرًا لأهمية هذا العلم لكشف الأوهام في الأحاديث كان كبار المحدثين إذا شك أحدهم في رواية جمع طرقها، ونظر في اختلافها ليعرف علتها.
قلت: لأن هذا هو السبيل لكشفها.
قال الخطيب رحمه الله في الجامع (ج2 ص295) : (والسبيل إلى معرفة علّة الحديث [4]
(1) انظر مقدمة الجرح والتعديل (ص356) .
(2) انظر مقدمة الجرح والتعديل (ص356) .
(3) أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (ج1 ص9) والحاكم في المعرفة (ص112) والخطيب في الجامع (ج2 ص295) بإسناد صحيح.
(4) أو يعرضه على المؤهلين لهذه المهمة من أهل الحديث.
وهذا الأمر الذي أشرت إليه من حيث اعتماد العلماء على أهل العلل كمرجعية علمية... لأن هؤلاء كانوا أعلم بهذا العلم من غيرهم.