... ولا يخفى عدم جريان ما قاله في القاموس في مثل هذا ، وتوقف الجمال ابن هشام في كون هذا التركيب عربيا محضًا ، وساق وجوه توقفه في رسالة له ، وأجاب عن ذكره في الصحاح ، ونحوه ، وذكر ما للعلماء في إعرابه ومعناه ، وما يرد عليه ، ثم قال: فلنذكرما ظهر لنا في توجيه هذا اللفظ بتقدير كونه عربيا فنقول: هلمّ هذه هي القاصرة التي بمعنى ائتِ وتعال ، إلاّ أنّ فيه تجويزين ، أحدهما أنه ليس المراد بالإتيان هنا المجيء الحسي ، بل الاستمرار على الشيء ، والمداومة عليه ، كما تقول: امشِ على هذا الأمر ، وسرْ على هذا المنوال ، ومنه قوله تعالى [ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ] [1] المراد بالانطلاق ليس الذهاب الحسي ، بل انطلاق / الألسنة بالكلام ، ولهذا أعربوا أنْ2أ تفسيرية ، وهي إنما تأتي بعد جملة فيها معنى القول ، كقوله [ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ ] [2] ، والمراد بالمشي ليس المشي على الأقدام ، بل الاستمرار والدوام ، أي دوموا على عبادة أصنامكم ، واحبسوا أنفسكم على ذلك ، الثاني أنه ليس المراد الطلب حقيقة ، وإنما المراد الخبر ، وعبّر عنه بصيغة الطلب ، كما في قوله تعالى [وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ] [3] ، [فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ] [4] ، وجرًّا مصدر جرَّه يجرُّه ، إذا سحبه ، ولكن ليس المراد الجرّ الحسي ، بل المراد التعميم ، كما استعمل السحب بهذا المعنى ، ألا ترى أنه يُقال: هذا الحُكم مُنسحب عى كذا ، أي شامل له ، فإذا قيل: كان ذلك عام كذا وهلمّ جرّا ، فكأنه قيل: واستمر ذلك في بقية الأعوام استمرارا ، أو استمر مُستمِرَّا على الحال المؤكدة ، وذلك ماشٍ في جميع الصور ، وهذا هو الذي يفهمه الناس من هذا االكلام ، وبهذا التأويل ارتفع إشكال العطف ، فإنّ هلمّ حينئذ خبر ، وإشكال التزام
(1) سررة ص ، آية 6
(2) المؤمنون 27
(3) العنكبوت 12
(4) مريم 75