وأصله أنّ العرب تقول ذلك في الأمر الصعب الذي لا يُراد فعله والتزموا عدم ذكر صلة لهما لا لفظًا ولا تقديرًا لِمَا مرَّ ، فيُلغز ويُقال أيّ موصول وليس له صلة ولا عائد ، وقد نظم ذلك بعضُ مشايخ مشايخنا فقالَ:
يا أيّها النحويّ ذا العرفان ... ومَنْ حوى لطائفَ البيان
ما اسمانُ موصولان مبنيان ... ولم يكونا قطُّ يوصلان
ومنها قولهم: أوَّلًا وبالذات ، قال الفَنَريّ في حواشي المطوّل: أوّلًا منصوب على الظرفية بمعنى قبل ، وهو حينئذ منصرفٌ لا وصفية له ؛ ولذا دخله التنوين مع أنّه أفعل التفضيل في الأصل ، بدليل الأولى والأوائل كالفُضلى والأفاضل ، وهذا معنى ما قاله في الصحاح: إذا جعلته صفة / لم تصرفه13ب تقول لقيته عامًا أوّلَ ، وإذا لم تجعله صفة صرفته تقول لقيته عامًا أَوّلًا ، أوّل معناه في الأوّل أوّل من هذا العام ، وفي الثاني قبل هذا العام ، والباء في بالذات بمعنى في وهو معطوف على أوّلًا ، أي في ذات المعنى بلا واسطة .
ومنها قولهم: وهذا الشيء لا محالة َكذا ، وهي مصدر ميمي بمعنى التحوّل مِن حالٍ إلى كذا بمعنى تحوّل إليه ، وخبر لا محذوف أي لا محالة موجودٌ والجملة معترضة بين اسم إنّ وخبرها ؛ مفيدة تأكيد الحكم .
ومنها قولهم: لا أَفْعَلُهُ البَتَّة ، وهي مصدر من ( البَتّ ) بمعنى القطع وفي القاموس: لا أفعلُهُ البَتَّة َ وبتَّة ً لكلِّ أمرٍ لا رَجْعَة َ فيه ، انتهى .
والمشهور على الألسنة أنّ همزتها همزة قطع وبه صَرَّح الإِمام الكِرْماني في شرح البخاري وردّه الحافظ ابنُ حجر في شرحه فتح الباري بما حاصله أَنَّه لم يَرَ أحدًا من أهل اللغة صرَّحَ بذلك ، ونازعه البدر العَيْني في شرحه أيضًا بأنّ عدم رؤيته واطلاعه على التصريح بذلك لا يُنافي وجوده .