... ومنها قولهم: لا بدّ من كذا: أي لا مفارقة ، وقد يُفسّر بوَجَبَ ، وذلك لأنّ أصله في الإثبات / بُدّ الأمر: فُرِّق ، وتبدد: تفرّق ، وجاءت الخيل بَدادا ، 5أ أي متفرقة ، فإذا نفي التفرّق والمفارقة بين شيئين حصل تلازم بينهما دائما ، فصار أحدهما واجبا للآخر ، ومن ثَمَّ فسّروه بوَجَبَ ، وبُدَّ اسم مبني على الفتح مع لا النافية ؛ لأنه اسمها ، والخبر محذوف ، أي لنا ، أو نحوه ، وقد يُصرح به ، وجعل الفَنَري [1] في حواشي المطول أنّ الجار والمجرور متعلق بالمنفي أعني بُدَّ ، على قول البغداديين ، حيث أجازوا لا طالع جبلًا ، بترك تنوين الاسم المطول إجراء له مجرى المضاف ، والبصريون أوجبوا في مثله تنوين الاسم ، وجعلوا متعلق الظرف فيما بُنِي الاسم فيه على الفتح ، كما فيما نحن فيه محذوفا هو خبر المبتدأ أي لا بدّ ثابت لها ، وقوله: من كذا خبر مبتدأ محذوف ، أي البدّ المنفي من كذا ، وهذه الجملة الاسمية التبيينية [2] لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنها جملة مستأنفة لفظا ، ويجوز أن يكون من كذا متعلقا بما دلّ عليه لابدّ ، أي لا بدّ من كذا ، وقد أشار الشريف في أواخر بيان المفتاح إلى أنّ الظرف في مثله خبر للا ، حيث قال في قوله: لا تلَقِّيَ لإشارته ، أنّ لإشارته ليس معمولا للتلَقِّي ، وإلاّ لوجب نصبه على التشبيه بالمضاف ، بل هو خبر لا ، فتأمل وقس على ما ذكر نظائر هذا التركيب ، انتهى .
(1) هو حسن جلبي بن محمد بن حمزة الرومي الحنفي الفناري ، أو الفَنَري ، ت 886هـ .
(2) ربما الصواب: المنفية .