فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 84

قال الإمام أبن كثير في تفسيره (( 4 / 409 ) ): (( وقوله { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أي عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله فما وافق ذلك قبل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ] أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا وظاهرا { أن تصيبهم فتنة } أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة { أو يصيبهم عذاب أليم } أي في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك ) ).

2 )عن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قال قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا [1]

(1) 14 ) وهذا لا يعني إمامة العبد الرقيق مثلما ذهب إلى ذلك الخوارج وأمثالهم ، لأن من شروط الإمام الحرية .

وهذا الشرط من الشروط الضرورية في الإمامة لأن المملوك لا يحق له التصرف في شيء إلا بإذن سيده ، فلا ولاية له على نفسه ، فكيف تكون له الولاية على غيره ، ويعلل الغزالي في فضائح الباطنية (ص 180) هذا الشرط بقوله: ( فلا تنعقد الإمامة لرقيق ، فإن منصب الإمامة يستدعى استغراق الأوقات في مهمات الخلق فكيف ينتدب لها من هو كالمفقود في حق نفسه الموجود لمالك يتصرف تحت تدبيره وتسخيره ، كيف وفي اشتراط نسب قريش ما يتضمن هذا الشرط ، إذ ليس يتصور الرق في نسب قريش بحال من الأحوال ) . هذا وقد نقل أبن بطال عن المهلب الإجماع على ذلك فقال: ( وأجمعت الأمة على أنها - أي الإمامة - لا تكون في العبيد ) .

وقال الشنقيطي: لا خلاف في هذا بين العلماء . ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا الخوارج ، فإنهم جوزوا أن يكون الإمام عبدًا وشذوذ الخوارج لا يعده العلماء قادحًا في صحة الإجماع . فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على إمامة العبد فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة » [ رواه البخاري ] . ونحوه عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه في الحديث الطويل: قال وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا ... )) .فالجواب على ذلك من أوجه:

1)أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود عادة ، فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة ، وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك ، ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي ، ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } على أحد التفسيرات .

2)أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مأمورًا من وجهه الإمام الأعظم على بعض البلاد ، قال الشنقيطي رحمه الله: ( وهو أظهرها ) فليس هو الإمام الأعظم .

3)أن يكون أطلق عليه اسم العبد نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا مع أنه وقت التولية حر ، ونظيره إطلاق لفظ اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قوله: { وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ... } الآية .

4)أو أن المراد بذلك المتغلِّب لا المختار ، ففي هذه الحالة تجب طاعته وإن كان عبدًا حبشيًا ، ولا يجوز الخروج عليه لمجرد عبوديته ، ويؤيد هذا الرأي لفظ: « إن تأمَّر عليكم ... » فلفظ « تأمر » يدل على أنه تسلط على الإمارة بنفسه ولم يؤمر من قبل أهل الحل والعقد . والراجح من هذه الإجابات في نظري هو الجواب الثاني ، وهو الذي رجحه الشنقيطي رحمه الله ، وسبب الترجيح هو ورود بعض الأحاديث الدالة على ذلك ، منها ما أخرجه الحاكم من حديث علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « الأئمة من قريش ، أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها ، ولكل حق ، فآتوا كل ذي حق حقه ، وإن أمرت قريش فيكم عبدًا حبشيًا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا » . ويعضد هذا الرأي أيضًا ألفاظ الحديث: « وإن استعمل » , و « إن أُمِّر » ونحوها ... والله أعلم . ومما يدل على اشتراط الحرية ، وأن تصرف العبد باطل وإن كان حاكمًا حكم العز بن عبد السلام رحمه الله ببيع أمراء الدولة الأيوبية في مصر - المماليك - لأنه لا يصح شرعًا تصرفهم إلا إذا عتقوا فحكم ببيعهم وإدخال أثمانهم إلى بيت مال المسلمين ، فلما حكم بذلك غضبوا وغضب نجم الدين أيوب - حاكم مصر في ذلك الوقت - وقال: هذا ليس من اختصاصه فقرر العز الرحيل عن مصر فجهز أمتعته وسار ، ثم لحقه جميع الناس وقالوا: إن خرج خرجنا ، فلحق به نجم الدين في الطريق وترضاه وطلب منه أن يعود وينفذ ما حكم به ، فعاد ونفذ ما أراد .. )) .

[ أنظر كتاب الخوارج في ميزان الإسلام 477 للمؤلف ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت