... معلوم أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان قد اختار عددًا من الصحابة ليكونوا كتبة للوحي، وقد بلغوا الأربعين كاتبًا. وهذا لا يعني أنّ الكتابة كانت محصورة في الصحف التي تُكتب بين يدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، وإشرافه، وإنما كان الناس يحرصون على الحفظ والكتابة، فكان عند بعضهم أجزاء من القرآن مكتوبة، وكان عند كبار حُفّاظهم مصاحف كاملة، منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب. وهذه الصُحُف والمصاحف لم تكن رسميّة، واحتمال الخطأ فيها وارد، وهذه طبيعة البشر، ثمّ إنّ بعضهم كان يُضيف إليها شروحات تفسيريّة يصعب أحيانًا تمييزها عن النص الأصلي من قِبل غير كاتبها.
وعليه يمكن تلخيص حكمة حرق هذه المصاحف في الآتي:
جمع الناس على المصحف الرسمي، وإغلاق باب الاختلاف الناتج عن وجود صحف كثيرة غير مدققة.
درء باب المفسدة المحتملة ببقاء المصاحف الفرديّة، لأنه بمضي الزمن تكبر المشكلة لاحتمال أن تتمسك الأجيال القادمة ببعض المصاحف الفرديّة، مما يؤدّي إلى الطعن والتشكيك في القرآن الكريم، ويكون ذلك مدخلًا لتحريفه.
بعد التحقق من نص القرآن الكريم، وبعد الإجماع عليه من قِبَل الصحابة، لا يعود هناك أي مصلحة في بقاء النسخ الفردية، والتي يمكن أن يشكل بقاؤها إشكالات في المستقبل؛ فعلى الرغم من عدم وجود أثرٍ لتلك المصاحف اليوم، إلا أنّ أهل البدع والأهواء قد أطالوا الحديث حولها، واتخذوا مجرد ذكرها في التايخ مدخلًا للطعن والتشكيك والدس والخداع، فكيف لو كانت موجودة فعلًا بما تحتويه من شروحات وملاحظات وأخطاء فرديّة محتملة؟!
مصحف أم مصاحف عثمانيّة؟
... سميت المصاحف التي نُسخت بأمر عثمان وإشرافه بالمصاحف العثمانيّة. واللافت أنها مصاحف وليست مصحفًا واحدًا، فما معنى ذلك؟