المعروف تاريخيًّا أنّ الجزيرة العربية لم تشهد، قبل الإسلام، قيام دولة تجمع العرب في كيان سياسي واحد، وإنما كان ذلك، أول ما كان، على يد النبي، صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك كذلك، فما الذي كان يُشعر العرب أنّهم أمّة؟!
إنّه الدين، وإنها القِبلة الواحدة؛ فمن إسماعيل حتى محمد، عليهما السلام، اعتاد العرب أن يجتمعوا في مكة مرّة واحدة في العام، على أقل تقدير. وحتى عندما انحرفوا، فعبدوا آلهة متعددة، وجدناهم يُحضرون هذه الأصنام فيضعونها في الكعبة. وقد أدّى اجتماعهم لما يقارب الـ 2400 سنة إلى وجود لغة مشتركة يفهمها كل العرب، سُميت فيما بعد بلهجة قريش. وأدّت اللغة المشتركة هذه إلى اجتماعهم من أجلها في أسواق أدبيّة. فالدين إذن هو الذي صنع منهم أمة ابتداءً، ثم جاء الإسلام فأعاد صياغتهم وجمعهم في نظام فكري وسياسي واحد، فكانوا قادة هداة لم يعرف التاريخ لهم مثيلًا.
كانت مقدّمات لا بد منها:
نمو عقلي وفكر مجرد.
تقدير للقيم المعنويّة.
لغة أدبية مشتركة ومتفوقة.
شعور عميق لدى العربي بوجود الأمة العربية.
هذه المقدمات كانت ضروريّة لنزول رسالة الإسلام، وذلك للآتي:
القرآن الكريم معجزة فكريّة، وهذا يحتاج إلى نمو عقلي يساعد العربي على فهم الرسالة وبالتالي على حملها إلى باقي الأمم.
القرآن معجزة بلاغيّة، وهذا يحتاج إلى أمة متميزة في هذا الجانب، بحيث تقدّر ذلك، وتفهمه، وتتفاعل معه، وبالتالي تكون مُهيّأة لحمل رسالة الإسلام، وتبليغه للناس، كل الناس.
حمل الرسالة يحتاج إلى فهم متميز وأخلاقيّة متفوّقة، ومستوى عالٍ من القدرة على البذل والتضحية.
رسالة الإسلام رسالة عالميّة جاءت للبشرية جمعاء، وهي تحتاج إلى أمة لتحملها وتستمر في حملها إلى يوم القيامة.