فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 320

المتدبر للقرآن الكريم يلحظ أنّ بعض القَصص القرآني يتكرر في أكثر من سورة. والذين يظنون أنّ القرآن الكريم نزل ليزوّد الناس بمعلومات ومعارف قد يرون في هذا التكرار ظاهرة غير إيجابية، وهم بذلك يذهلون عن حقيقة أنّ القرآن الكريم يُربّي الناس تربية شاملة، ومن ذلك تربيتهم على منهجيّة التفكير. والملحوظ أنّ القَصص القرآني يختلف عن القصص البشري، الذي يغلب أن يكون سرده متسلسلًا ومفصّلًا، بل هو، إن صحّ التعبير، لقطاتٌ قد تطول قليلًا وقد تقصُر، ولكنها إن طالت تبقى في إطار القصة القصيرة، بل القصيرة جدًا. أما التكرار في القصة القرآنيّة فإنّه ظاهري يتوهمه من يتلو القرآن الكريم من غير تدبّر. أما أهل التدبّر فيعلمون أن لا تكرار إلا في الشكل، أما في الجوهر فلا تكرار. من هنا نجد من المناسب أن نلفت الانتباه إلى الآتي:

تكرار القصة القرآنيّة لا يعني أنّها تتكرر بتفاصيلها؛ بل قد تزيد في بعض التفاصيل والحيثيّات وقد تنقص.

تختلف السياقات التي يتكرر فيها القَصص القرآني، مما يعني أنّ المعنى المستفاد يختلف باختلاف السياق.

تُستبدل بعض المفردات أو الجُمل بغيرها، ويكون تقديم وتأخير في الألفاظ والجُمل، ويختلف الجَرْس، وتختلف الموسيقى، وتختلف فواصل الآيات.

تختلف أهداف القصة القرآنيّة عن أهداف القصة في كتابات البشر، من هنا تتعدد المقاصد عند تكرار القصة.

إن الأسلوب القرآني في التكرار يُطوّر في منهجيّة التفكير لدى المتدبّر، لأنّه يساعد على ملاحظة الأنماط المحتملة، والصيغ التي يمكن أن تتعدد، والتغييرات المطلوبة لتحقيق الانسجام مع السياق؛ من حيث الجوهر، ومن حيث الشكل البلاغي الذي لا بد أن تتجلى فيه المعاني. ثم هو يعين على تصوّر البدائل الممكنة، والاحتمالات المُدّخرة.

مثال توضيحي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت