في الغالب ما يهدف الكُتّاب في كتاباتهم إلى تزويد الناس بمعلومات وخبرات جديدة، لذلك فهم يتسلسلون في الأفكار من البداية حتى النهاية، ومن ذلك تتسلسل الأبواب والفصول، ويكون ذلك واضحًا غاية الوضوح، وإلا عُدّ عدم التسلسل خللا وقصورًا. وهذا أمر مفهوم في العمل الذي يُقصد به نقل المعلومة والخبرة. أمّا إذا أردنا الحث على التفكير والتدبّر، وخلق المنهجيّة السويّة في التفكير والبحث والاستنباط، فإنّ أسلوب العرض يجب عندها أن يختلف؛ فلا نعود بحاجة إلى التسلسل الواضح، بل نكون بحاجة إلى التسلسل الذي يجتهد القارئ في اكتشافه.
عند تدبّر القرآن الكريم نقوم أولًا بتدبّر الآية ثم آية أخرى، فإذا فهمنا معانيها يصبح من السهل علينا بعد ذلك أن نربط بين الآيات. ويفترض بعدها أن نلاحظ أنّ آيات السورة جاءت في مجموعات، فإذا فهمنا معاني المجموعة الأولى، ثم المجموعة الثانية، أمكن أن نربط بين معاني المجموعات. وبعد أن ننتهي من فهم سورةٍ كآل عمران، مثلًا، نقوم بتدبر سورة النساء، فإذا فهمناها؛ كلمات، وجُملًا، وآيات، ومجموعات، أصبح بإمكاننا أن نربطها بسورة آل عمران التي تسبقها في ترتيب المصحف. ولا يسهل علينا أن نربطها بسورة المائدة، التي تليها، حتى نتدبر سورة المائدة أيضًا، وذلك في مستوى الكلمات، والجمل، والآيات، والمجموعات؛ فكمال الفهم للسورة الأولى، و كمال الفهم للسورة الثانية، يؤدّي إلى استكشاف الروابط والصلات بين السورتين،...الخ. وتكون المفاجأة عندما نكتشف أنّ القرآن يفسر القرآن، ويتجلّى لنا بناءًا متكاملًا متراصًا. وسيبقى الإنسان ينظر في تفاصيل هذا الكتاب العظيم من أجل تصوّرٍ أفضل لحقيقة البناء الكلي للقرآن الكريم، كما يفعل وهو يحاول أن يفهم حقيقة البناء الكوني البديع.
المنهجيّة والتكرار في القصص القرآني: