من هنا ندرك أنّ العدالة كاملة، إذ إنّ البشر بذلك يتعرضون للاختبار والامتحان نفسه؛ فكلما زادت الضغوط زاد الثواب وقلّ الإثم. وكلما زاد العلم زاد إثم العاصي مقارنة بمن هم دونه في العلم.
تنص التشريعات والقوانين البشريّة على معاقبة من يخالفها، وهناك ظروف مخففة. ولا يُعقل أن يعاقب من يرتكب جريمة في حالة الغضب الشديد بمثل عقوبة من يرتكب الجريمة نفسها عن سابق إصرار وتخطيط.
هذا في عالم الواقع، أمّا في عالم النظريات، فهناك بعض الفلسفات تحاول أن تعذر المجرم، على اعتبار أنه اكتسب ميله الإجرامي وراثيًا، وهناك من يرى أنّ الإنسان من صنع بيئته، وهناك من يرى أنه من صنع البيئة والوراثة معًا. وقد يروق للبعض أن يتبنّى مثل هذه النظريات لتبرير سلوكه وانحرافه. ونحن هنا لا نريد أن نثبت خطأ أو صواب مثل هذه النظريات، وإنما نريد أن نُسلّم جدلًا بصحتها، لعل فيها قدرًا من الصحة.
عندما نراقب سلوك الناس يُلفت انتباهنا أنّ سلوك الأفراد يختلف باختلاف المواقف؛ فالأم تصبر كثيرًا على سلوك وانحراف ولدها، ولكنها هي نفسها تثور بسهولة في وجه حماتها، مثلًا، أو في وجه كل من تُبغضه. وإذا كانت هذه المرأة لا تسيطر على أعصابها في مقابل من تكرهه نجدها تسيطر على غضبها في مواجهة من تحبه، أو في مواجهة من تخافه. هذا يعني أنّ كل إنسان منا يملك في داخله قوة تضبط وتسيطر على الدوافع والرغبات والنزوات والشهوات.
فالمجرم يبادر إلى الجريمة في حال القوة والأمن من العقوبة، ولا يسهل عليه في هذه الحالة أن يسيطر على دوافعه. وفي المقابل، إذا كان هذا الشخص ضعيفًا ويخشى وقوع العقوبة نجده يُصَعّد من قوته الداخلية، فيضبط نفسه ويتكلّف السلوك الإيجابي.