... إن عبادة الله تعالى - و التي هي مقصد الخلق - تقتضي الإنقياد التام لله تعالى و قولا و عملا ، و أن تكون حياة المرء قائمة على شريعته ، يحل ما أحل الله و يحرم ما حرم الله ، و يخضع في سلوكه و أعماله و تصرفاته كلها لشرع الله ، متجردا من حظوظ نفسه ، و نوازع هواه ؛ يستوي في هذا الفرد و الجماعة و الرجل و المرأة ، فلا يكون عابدا لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته ، و خضع للمخلوقين في جوانب أخرى .
و هذا المعنى يؤكده قول الله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }
] النساء: 65[ .
و قوله سبحانه: { أفحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ]المائدة: 50[ .
و قال تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ]النساء: 60[ .
فمن خضع لله سبحانه و أطاعه و تحاكم إلى وحيه ؛ فهو العابد له ، ومن خضع لغيره و تحاكم إلى غير شرعه ؛ فقد عبد الطاغوت و انقاد له .
و قد حكى الله عن اليهود أنهم اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله ؛ لما أطاعوهم في تحليل الحرام و تحريم الحلال ، قال تعالى: { اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح ابن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } ]التوبة: 31 [ .