…الخوف مظهر من مظاهر غريزة البقاء، وهو حتمي الوجود في الإنسان لأنه جزء من تكوينه، ووُجد فيه فطرةً مع وجوده. إلاّ أنه كباقي مظاهر غريزة البقاء كالسيادة والدفاع والرحمة وغيرها، بل كباقي الغرائز وهي التدين والنوع، لا يظهر إلاّ بوجود عامل يثيره، وما لم يوجد هذا العامل المثير لا يظهر الخوف مطلقًا. والعامل الذي يثير الخوف هو الذي يثير أي غريزة من الغرائز، وهو إما شيء مادي محسوس، وإما فكر من الأفكار المتصلة به، أو المتعلقة فيه. إلاّ أنه لا بد أن يكون هذا الشيء المادي أو الفكر مما يدرَك أنه يخيف أو مما يشعر وجدانيًا أنه يخيف. وما لم يحصل هذا الإدراك أو هذا الشعور لا يحصل الخوف، لأن الغريزة لا تتحرك طاقتها ولا تثور إلاّ إذا كان الشيء قد ارتبطت فيه مشاعر الخوف بإدراك أو بتمييز غريزي. وعلى هذا لا يحصل إلاّ بوجود ما يثيره، وإن كان فطريًا قد خُلق مع خلق الإنسان.
…والخوف مشكلة من المشكلات الخطرة التي تعاني من جرائها الشعوب المنحطة والأمم الضعيفة ما تعاني من الذل والتأخر. والخوف إذا سيطر على شخص أفقده لذة العيش، وأفقده أنبل الصفات، وجعل لديه الارتباك الذهني وعدم القدرة على الحكم على الأشياء، وشلّ عنده الحافظة وقابلية التمييز.