…ومثل الحيوان الطفل حين يولد، فإنه وإن كان دماغه فيه قابلية الربط فإنه لم توجد لديه معلومات حتى يربطها بالإحساس بالواقع الجديد ليميزه، ولذلك لا يحصل عنده فكر ولا عقل ولا إدراك، وإنّما يحصل عنده تمييز غريزي فقط للشيء من حيث كونه يشبِع أو لا يشبِع، ولا تجعل عنده معرفة عن حقيقة الشيء الذي ميّز الإشباع فيه. فهو لا يعرف ما هو الشيء الذي أشبع، ولا ما هو الشيء الذي لم يشبِع، وإنّما يحصل عنده تمييز في حدود أنه يشبِع أو لا يشبِع فقط. فإذا عرضتَ على طفل تفاحة وحجرًا، جرّب أحدهما، فما يجد فيه الإشباع يأكله، ويرمي الآخر. فتحصل عنده من ذلك تجربة يستطيع بها أن يأخذ التفاحة ويرمي الحجر بتمييز غريزي حصل من التجربة فقط، وذلك لأن المعلومات لم توجد لديه بعد. فإذا وُجدت لديه المعلومات استعملها طبيعيًا لأن الربط جزء من تكوين دماغه. فإحساسه بالشيء مرتبط بربطه بالمعلومات حتمًا، فيكون وجود المفهوم عن الشيء مربوطًا ربطًا حتميًا بالإحساس به. فيبدأ حينئذ عند الطفل الفكر أو العقل أو الإدراك بمجرد وجود المعلومات التي يربط بها.
…وعلى هذا فإن التمييز الغريزي هو إحساس بالواقع بواسطة الحواس، يحصل به تمييز الشيء من كونه يشبِع أو لا يشبِع، بخلاف الفكر، فإنه نقل الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ومعلومات تفسِّر هذا الواقع. فالفكر حكم على شيء، والتمييز الغريزي تبيان أن الشيء يشبِع أو لا يشبِع، ليس غير.
الخوف