فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 127

…فهذا التمييز حصل عند الحيوان من تجربة حصلت بواسطة الإحساس، وتكفي هذه التجربة ولو مرة، وسواء حصلت منه أو من غيره مع إحساسه بما حصل لغيره. وسواء أكان ذلك من تجربة شيء واحد أو من تجارب أشياء متعددة مختلفة، فإنها كلها تحدث تمييزًا غريزيًا. إلاّ أن تجربة الشيء الواحد هي التي تظهر عند الحيوان أكثر من غيرها. وقد تحصل عنده تجارب متعددة كالتجربة على الشعير والتراب أو كالتجربة على الحلو والمر والحامض. وقد تحصل عنده تجارب معقدة فيصدر عنه استعادة الإحساس بما يشبه التفكير، ولكنه في الحقيقة استعادة لما سبق أن أحسّه، وليس ربطًا بمعلومات.

…مثال ذلك تجربة سرقة الفيران للبيض، فإنه شوهد أن فأرين يذهبان إلى سوق البيض فينبطح أحدهما على ظهره ويدفع الآخر البيضة على بطن الفأر المنبطح، فيقبض ذاك رجليه عليها ويسحبه الفأر الآخر من ذنبه إلى وكرهما حتى يضعا البيضة فيه، ثم يرجعان للإتيان بغيرها على الوجه السابق. فهذه العملية معقدة، ولكنها نتجت عن تجارب في استعادة المحسوسات لا عن ربط المعلومات. وهذه التجارب لا تحصل إلاّ بما يحصل به الإشباع أو يتصل بما يحصل به الإشباع. فلا تحصل مسألة الفيران بغير ما يؤكل، لكن قد تحصل في غير البيض مما يحصل فيه إشباع. فهذا الذي حصل من الفأر والحصان، ويحصل من القرد والجَمَل وغيرها ليس تفكيرًا وإنّما هو تمييز غريزي وهو خاص بما يشبع فقط ولا يتعدى التمييز. فلا يمكن أن يصل إلى معرفة ما هو هذا الشيء الذي أشبع، ولا ما هو الشيء الذي لا يحصل به إشباع. ومن هنا كان تمييزًا غريزيًا وليس فكرًا ولا عقلًا ولا إدراكًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت