…والتمييز الغريزي يحصل عند الحيوان من جراء تكرار إحساسه بالواقع. ذلك أن الحيوان لديه دماغ ولديه حواس، كما هي الحال عند الإنسان. إلاّ أن دماغ الحيوان خال من القدرة على الربط، وإنّما فيه مركز للإحساس فقط. فلا توجد لديه معلومات سابقة يربطها بالواقع أو بالإحساس، وإنّما توجد لديه انطباعات عن الواقع، ويستعيد هذه الانطباعات حين الإحساس بالواقع. وهذه الاستعادة ليست ربطًا وإنّما هي تحرُّك لمركز الإحساس من جراء الإحساس بالواقع الأول أو بواقع جديد يتصل بالواقع الأول، فيحصل من هذه الاستعادة للإحساس تمييز غريزي، وهو الذي يعيّن سلوك الحيوان نحو إشباع الغريزة أو الحاجة العضوية. ويكون هذا السلوك فقط للإشباع أو عدم الإشباع ولا يكون لأكثر من ذلك مطلقًا.
…وعلى هذا فإن الذي يحصل عند الحيوان هو إحساس بالواقع فقط مهما تعدد هذا الإحساس وتنوَّع. وهذا الإحساس هو الذي يدفعه للإشباع أو عدم الإشباع. فمثلًا إذا قُدّم لحيوان أو طير طعام فإنه يميز كونه يؤكل أو لا يؤكل، ثم يعيِّن سلوكه نحوه فيأكله أو يُعرِض عنه، ولا يزيد على ذلك. وإذا وصل لهذا التمييز من ناحية الإشباع وقف عند حده، فهو لا يستطيع أن يزيد على ذلك ولا يحاول أن يزيد على ذلك. ولو قُدّم لحصان شعير وتراب فهو يحاول أن يختبر أيهما فيه إشباع، فإذا وجد ذلك في الشعير لا في التراب تركّز عنده الإحساس بأن الشعير يشبع حاجته والتراب لا يشبع. فيصبح بعد ذلك يترك التراب لمجرد الإحساس به، ويأخذ الشعير بمجرد الإحساس به إذا كان جائعًا.