…والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس: تبايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمْرُه إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه. فبايعناه على ذلك) .
…وهذا صريح في أن عقوبة الدنيا من الإمام أو نائبه على ذنب معين تُسقِط عقوبة الآخرة، ولذلك كان كثير من المسلمين يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرّون بالجرائم التي فعلوها ليوقع عليهم الحد في الدنيا حتى يسقط عنهم عذاب الله يوم القيامة، فيحتملون آلام الحد والقصاص في الدنيا لأنه أهون من عذاب الآخرة.
التمييز الغريزي
…كثيرًا ما اختلط على الناس الفكر بالتمييز الغريزي، فعجزوا عن التمييز بينهما، فوقعوا في أخطاء منها ما هو مضحك ومنها ما هو مضلِّل. فمنهم من جعل للطفل حين يولد عقلًا وفكرًا، ومنهم من جعل للحيوان فكرًا، ومنهم من جرّه عدم التمييز بين الفكر والتمييز الغريزي إلى الضلال في تعريف الفكر، وأن الخطأ في فهم ما هو العقل. ولهذا كان بيان ما هو التمييز الغريزي ضروريًا، كما أن بيان ما هو الفكر أو العقل أو الإدراك ضروري.