…إلاّ أن هذه المدلولات الواقعة ليست أبحاثًا في الفَلَك، ولا معلومات في الطب، ولا أفكارًا في الكيمياء قد جاءتنا للانتفاع بما في الكون، وإنّما هي ضوابط لسلوك الإنسان في هذه الحياة الدنيا ونحو الحياة الأخرى، ولا علاقة لها بغير ذلك مطلقًا. فهي قد جاءت هدى ورحمة وموعظة، وجاءت معالجات لأعمال الإنسان وتعيينًا لكيفية سلوكه. وإذا تتبعنا هذه المفاهيم في النصوص التي صدرت عنها هذه المفاهيم، وبعبارة أخرى التي تضمنت الأفكار الدالة على هذه المفاهيم، نجد أنها جميعها من غير استثناء جاءت على هذا الوجه دون سواه، وحُصرت في هذه الناحية وحدها. فنصوص القرآن والسنّة في منطوقها -وهو ما دل عليه لفظ الجملة- ومفهومها -وهو ما دل عليه معنى الجملة- أو دلالتها -وهو ما يقتضيه معنى الجملة- فإنها كلها محصورة في إطار واحد هو العقيدة وما ينبثق عنها من أحكام ويُبنى عليها من أفكار، ولا يوجد شيء غير هذا.
…وعلى هذا كان لزامًا على المسلم أن يدرك في نصوص الشريعة وهي الكتاب والسنّة، أنها جاءت للعمل بها، وجاءت خاصة بسلوكه في الحياة. أي يجب على المسلم أن يدرك في الإسلام أمرين اثنين:
…أحدهما أنه جاء بمفاهيم لضبط سلوكه في الحياة الدنيا ونحو الحياة الأخرى، فيأخذ كل فكر قانونًا لضبط سلوكه ضمن هذا القانون. فتظهر فيه الناحية العملية لا الناحية التعليمية. ويجب أن يكون واضحًا أنه إذا أُخذت فيه الناحية التعليمية وحدها فَقَد صبغته الأصلية وهي كونه قانونًا لضبط السلوك، وصار معرفة كمعارف الجغرافيا والتاريخ. فيَفقد بذلك حرارة الحياة الموجودة فيه، ويصبح ليس إسلامًا بحتًا، وإنّما معارف إسلامية، يستوي في الإحاطة بها المستشرق الكافر الذي لا يؤمن بها، والذي يتعلمها ليحاربها ويحارب أهلها، مع العالِم المسلم الذي يؤمن بها ولكنه ينقّب عنها كمعلومات، وكلذّة علمية، دون أن يخطر بباله أن يتخذها ضوابط لسلوكه في الحياة.