…ضع أمام طفل صغير أشياء لم يسبق أن عرف عنها شيئًا، وانظر هل يحصل عنده فكر؟ فإنك تجد أنه يحصل عنده من تكرار إحساسه بالواقع وحده إحساس بوجود الواقع، ويحصل عنده تمييز الأشياء بعضها عن بعض، وتمييز ما يؤلم أو يلذ، أو يَسُر أو يزعج، أو يشبع، أو غير ذلك مما يتصل بالغرائز أو الحاجات العضوية، ولا يحصل عنده شيء أكثر من ذلك مهما اختلف الإحساس وتكرر وتنوع، أي يحصل عنده إحساس ويحصل من جراء هذا الإحساس وتكرره تمييز غريزي فقط. ولكنك إذا وضعتَ أمامه شيئًا ثم قرنته بمعلومات عنه أدرك ما هو الشيء. فإنْ سألته عنه شرحه لك وبيّن لك ما هو، فيصبح حينئذ عنده إدراك الشيء، أي يصبح عنده فكر. أمّا لو أعطيته معلومات فقط عن الشيء وكررت له هذه المعلومات فإنه يعاود سردها لك كما هي، ولا يحصل عنده فكر ما لم يربطها بالواقع.
…والدليل الحسي على ذلك هو: ضع أمام طفل ميزانًا وتفاحة ونارًا ثم حفّظه معلومات عن كل واحدة منها كأن تقول له: ميزان يزِن، تفاحة تؤكل، نار تحرق، وكررها عليه عدة مرات ثم اسأله أين الميزان فيضع اصبعه على التفاحة أو النار، وقد يضع اصبعه على الميزان، ولكنه إذا رآك لم ترض ذلك غيَّر في الحال، ووضع اصبعه على غيره. فهو قد تلقى معلومات وأعادها، ولكنه لم يحصل عنده فكر. أمّا إذا أريته الميزان وقلت له هذا ميزان يزن، وبينت له عملية الوزن وكررت ذلك، ثم أريته التفاحة أو النار وكررت ذلك فإنه يحصل عنده فكر. فإذا قلت له أين الميزان وضع اصبعه عليه ودلّك عليه. فلو رفضت ذلك وغالطته لا يرد عليك ويصر على الميزان الذي شُرح له لأنه أدركه، فيصبح يعرفه لمجرد رؤيته أو لمجرد ذكر اسمه، لأنه صار له فكر عن هذه الأشياء باقتران الواقع مع المعلومات.