…وعلى هذا فإن العملية الفكرية لا تحصل إلاّ بتحقق وجود أربعة أشياء هي: الواقع المحسوس، والحواس أو واحدة منها، والدماغ، والمعلومات السابقة. فإذا نقصت واحدة من هذه الأشياء الأربعة لا يمكن أن يحصل فكر مطلقًا. وما يحصل من محاولات التفكير مع عدم توفر الواقع المحسوس ومع عدم توفر المعلومات السابقة هو تخيلات فارغة لا وجود لها، وليست أفكارًا. والاستسلام لها بالبعد عن الواقع المحسوس، أو عن المعلومات السابقة المتصلة بها، يؤدي إلى الإغراق بالأوهام والضلال، وربما أدى إلى إجهاد الدماغ فيصاب بأمراض الخلل والصرع وما شاكلها. ولذلك لا بد من وجود الواقع المحسوس، ووجود المعلومات السابقة، كما لا بد من وجود الدماغ، ووجود الحواس.
…وعليه فالفكر أو الإدراك أو العقل هو نقل الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ مع معلومات سابقة يفسَّر بواسطتها هذا الواقع. ويقال نقْل الواقع لا نقْل صورة الواقع، لأن الذي يُنقل هو الإحساس بالواقع لا صورة كالصورة الفوتوغرافية. فهي صورة للواقع وهي الواقع إحساسًا. ولذا كان القول بأنها نقل الواقع، أدق من القول بأنها نقل صورة الواقع، لأن الصورة المنقولة هي إحساس بالواقع لا صورة عنه فقط.
…هذا هو تعريف الفكر، أي هذا هو الفكر أو الإدراك أو العقل. وهذه العملية تحصل للمفكر الذي ينتِج الفكر، لا لمن يُنقَل إليه الفكر. أمّا من يُنقل إليه الفكر فلا تحصل له هذه العملية، لأن الفكر نتج وانتهى، فيعطيه منتجه للناس، وينقله الناس بعضهم لبعض، ويعبّرون عنه باصطلاحات اللغة أو غيرها، وإن كان التعبير باللغة هو السائر في أنحاء العالم.