…وفي عملية الفكر لا يحصل أي انعكاس، فلا يحصل فيها ولا أي انعكاس من الواقع على الدماغ. فالانعكاس من حيث هو لم يحصل. وأمّا العين التي يُتوهم أنه يحصل بواسطتها انعكاس، فلا يحصل فيها، ولا منها انعكاس، وإنّما الذي يحصل هو انكسار. فالشيء المرئي لا ترتد صورته للخارج، وإنّما يحصل بتسلطه على العين انكسار، إذ تنكسر صورة الشيء المرئي وتستقر في الداخل فيُرى الشيء، ولا يمكن أن ترتد إلى الخلف، ولا يمكن أن يحصل انعكاس منها ولا بها مطلقًا. وعليه فالدماغ ليس محل الفكر.
…والذي يحصل هو أن الواقع المحسوس تنتقل صورة عنه إلى الدماغ بواسطة الحواس، وتكون هذه الصورة بحسب الحاسة التي نقلت الواقع. فإن كانت البصر، نقلت صورة الجسم، وإن كانت السمع نقلت صورة صوته، وإن كانت الشم نقلت صورة رائحته، وهكذا. فيرتسم الواقع كما نُقل إلى الدماغ، أي حسب الصورة التي نُقلت. وبذلك يحصل الإحساس بالواقع فقط، ولا يحصل تفكير، ويحصل تمييز غريزي فقط من حيث كونه يُشبِع أو لا يُشبِع، يؤلم أو لا يؤلم، يفرح أو لا يفرح، يلذ أو لا يلذ، ولا يحصل أكثر من ذلك، فلا يحصل تفكير. فإن كانت هنالك معلومات سابقة، رُبطت بواسطة قوة الربط الموجودة في الدماغ بالواقع المحسوس الذي رُسم في الدماغ، فتحصل بذلك العملية التفكيرية، وينتج إدراكه الشيء ومعرفة ما هو. وإن لم تكن هنالك معلومات سابقة لا يمكن أن يحصل إدراك لحقيقة الشيء، بل يبقى عند حد الإحساس فقط، أو عند حد التمييز الغريزي فقط، من حيث كونه يشبِع أو لا يشبِع ليس غير، ولا يحصل فكر على الإطلاق.