…وكذلك غريزة التدين، لا بد من تنظيم الأفعال التي تؤدي رجْع التقديس، أي لا بد من تنظيم التقديس وهو العبادة، لأن عدم تنظيمه يؤدي إلى أن يحاول الإنسان القيام بأي فعل يؤدي التقديس، فيجُر ذلك إلى الإشباع الشاذ بتقديس جهة ليست محلًا للتقديس، كتقديس النار باعتبارها إلهًا، أو تقديس صنم من تمر يصنعه بيده فيعبده ثم يأكله. وهذا معناه صرف الغريزة إلى تقديس غير الخالق، مع أنها هي الشعور بالعجز والاحتياج إلى الخالق المدبر. فصار التقديس مناقضًا للغريزة الدافعة له. وقد يجُر إلى تقديس جهة هي محل التقديس ولكن لمجرد الإشباع لا لتحري حقيقته، كتقديس صنم على اعتبار أن الإله حلّ به أو على اعتبار أن تقديسه يقربه من الله. وهذا معناه الصرف عن نتيجة الإشباع وهو وصول الشكر إلى مستحق الحمد والثناء، إلى أداء هذا الحمد لغير من هو له وهو الصنم. وفي هذا صرفٌ للغريزة عما وُجدت له وهو تقديس الخالق المدبر.
…ولذلك كان لا بد من نظام ينظم غريزة التدين كما ينظم غريزة النوع. والفرق بينهما هو أن غريزة النوع يمكن للإنسان أن يضع نظامًا من عقله للأعمال التي تؤدي رجْعها لأنها من علاقات الإنسان بالإنسان، فيمكنه إدراكه ويمكنه أن ينظم علاقته معه، وإن كان لا يمكن أن يكوّن نظامًا كاملًا. أمّا غريزة التدين فلا يمكنه أن يضع نظامًا للأعمال التي تؤدي رجْعها من عقله، لأنها علاقة للإنسان بخالقه ومدبّره، وهو لا يمكنه إدراكه، فلا يمكن أن ينظم علاقته معه، بل لا بد أن يأتي هذا النظام من الخالق.
…ومن هنا كان لا بد أن تأتي أحكام العبادات من الخالق لا من المخلوق.
الفكر