…وقد يقال إنه لا حاجة للإنسان إلى نظام للعبادات بل يمكنه أن يقوم بالعبادات دون نظام، إذ هي منتهى درجات التقديس فيقوم بالعبادة كما يشاء لأنها رجْع لإشباع غريزة التدين ولا تحتاج إلاّ إلى الإشباع فقط، فيُشبعها بأي فعل من أفعال التقديس يؤدي فيه هذا الإشباع، فما هي الحاجة إلى تنظيم التقديس، أي إلى أحكام العبادات؟
…والجواب على ذلك أن رجْع أي غريزة من الغرائز لا بد من تنظيم الأفعال التي تؤدي هذا الرجْع، لأن عدم تنظيمها يؤدي إلى الفوضى وهي تجر إلى الإشباع الخاطئ أو الإشباع الشاذ، وكلاهما يتناقض مع الأصل الذي قامت عليه الغريزة. فمثلًا غريزة النوع إذا تطلبت الإشباع الجنسي ولم يكن لها نظام لهذا الإشباع، حاوَلَت الإشباع بأي شيء يؤديه، فيجرها ذلك إما إلى الإشباع الشاذ في جهة ليست محلًا للإشباع، وهذا معناه القضاء على النوع الإنساني الذي وُجدت الغريزة من أجله، أو إلى الإشباع الخاطئ، وهو الإشباع في جهة هي محل إشباع ولكن لمجرد الإشباع المؤقت. وهذا معناه أيضًا الصرف عن نتيجة الإشباع وهو الولادة، وفي هذا تقليل النسل إن لم يكن انعدامًا له، وهو صرفٌ للغريزة عما وُجدت له وهو بقاء النوع.
…ولذلك كان لا بد من نظام ينظم غريزة النوع.