…العبادات منتهى درجات التقديس، وهي فطرية في الإنسان، إذ هي رجْع لغريزة التدين. والعقل إنّما يجتمع فيها مع الشعور ليعبد الإنسان من يستحق العبادة وهو الخالق، حتى لا يضِل الوجدان فيعبد ما لا يستحق العبادة، أو يخطئ فيتقرب إلى المعبود بما يبعده عنه. فدور العقل في العبادة حتمي في الاهتداء لمن يُعبد وتعيين من يُعبد وهو الخالق.
…أمّا الكيفية التي يؤدي فيها المخلوق العبادة إلى الخالق، فلا مجال للعقل فيها، ولا يستطيع معرفتها. لأن هذه الكيفية هي أحكام يقوم الإنسان بعبادة الله بحسبها، وبعبارة أخرى هي نظام ينظم علاقة المخلوق بالخالق، أي علاقة العابد بالمعبود. وهذا النظام لا يمكن أن يكون من المخلوق مطلقًا لأن المخلوق لا يدرك حقيقة الخالق حتى ينظم علاقته به، ولا يدرك كنهه حتى يعرف كيف يعبده. فيستحيل على الإنسان أن يضع بعقله نظامًا للعبادات بينه وبين الخالق ينظم علاقته بالخالق أي ينظم تقديسه للخالق. لأن وضع هذا التنظيم يستوجب إدراك حقيقة الخالق وهو محال، فصار محالًا أن يضع الإنسان بعقله أحكام العبادات.
…ومن هنا كان لا بد أن يكون نظام العبادات آتيًا من الخالق لا من المخلوق، أي آتيًا من المعبود لا من العابد، فكان لا بد أن تأتي أحكام العبادات من الله وحده، وليس من الإنسان، ولا دخل للإنسان في أي شيء منها مهما قَلّ، لأنه يستحيل عليه أن يضعه. وهذا النظام لا بد أن يبلّغه الخالق للمخلوق، ليقوم بعبادة الإله بحسبه، ومن هنا كانت الحاجة إلى الرسل ليبلّغوا الناس أحكام العبادات، حتمية الوجود، لاستحالة أن يضع الناس أحكامًا في العبادات، ولأنها لا تأتي إلاّ من الله تعالى.