فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 127

…نعم إن الإنسان يمكنه أن يظن أن هذا الشيء مصلحة له أو مفسدة له، ولكنه لا يمكن أن يجزم بذلك. وترك تقرير المصلحة للظن يؤدي إلى الوقوع في المهالك، إذ قد يظن الشيء أنه مصلحة ثم يظهر أنه مفسدة، فيكون قد قرر المفسدة للإنسان على أنها مصلحة فأوقع الضرر به. وقد يظهر الشيء أنه مفسدة ثم يظهر أنه مصلحة، فيكون قد أبعد المصلحة عن الإنسان على أنها مفسدة، فأوقع الضرر به بحرمانه من المصلحة.

…هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العقل قد يحكم على الشيء أنه مصلحة اليوم ثم يتبين له نفسه غدًا أن هذا الشيء مفسدة، فيقول عنه إنه مفسدة. وقد يحصل ذلك بالنسبة للمفسدة أيضًا، فيقول عن الشيء إنه مفسدة اليوم ثم يتبين له نفسه غدًا أنه مصلحة فيقول عنه إنه مصلحة، فيصبح الشيء الواحد مصلحة ومفسدة، وهذا لا يجوز ولا يكون، إذ الشيء إما مصلحة وإما مفسدة للحالة الواحدة، وبذلك تصبح المصلحة مصلحة اعتبارية لا مصلحة حقيقية.

…ومن هنا وجب أن لا يُترك للعقل أن يقرر ما هي المصلحة، بل يجب أن يقرر ذلك الشرع وحده، لأنه هو الذي يقرر المصلحة الحقيقية والمفسدة الحقيقية، والعقل إنّما يفهم واقع الشيء كما هو فهمًا تامًا، ثم يفهم النص الشرعي الذي جاء في هذا الشيء، ثم يطبق النص على الواقع، فإذا انطبق عليه كان مصلحة أو مفسدة حسب نص الشرع، وإن لم ينطبق عليه بُحث عن المعنى الذي ينطبق على الواقع حتى يعرف المصلحة التي قررها الشرع بمعرفة حكم الله في ذلك الشيء.

…وعلى هذا فالمصلحة مصلحة شرعية لا مصلحة عقلية، وهي تدور حيثما يدور الشرع، فحيثما يكون الشرع تكون المصلحة، لأن الشرع هو الذي يقرر مصالح العباد.

أحكام العبادات توقيفية من عند الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت