فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 127

…فلفظ"العين"لفظ مشترك بين عدة معان، فتُطلق على العين الباصرة، وعلى الجاسوس، وعلى العين الجارية، وعلى النقد، ولا يترجح معنى واحد من هذه المعاني على غيره إلاّ بقرينة، لأنه حقيقة فيها جميعًا، وليس هو حقيقة في بعضها مَجازًا في البعض الآخر.

…وكذلك صيغة"افعل"لفظ مشترك بين عدة معان، فيُطلق ويراد منه الأمر، ويُطلق ويراد منه التخيير، ويُطلق ويراد منه الامتنان، ويُطلق ويراد منه التهديد، ولا يترجح معنى واحد من هذه المعاني على غيره إلاّ بقرينة، لأنه حقيقة فيها جميعها، وليس حقيقة في بعضها مَجازًا في البعض الآخر. وقد ورد القرآن بذلك في آيات متعددة صريحة لا تحتمل التأويل.

…ويظهر من تتبّع الآيات التي وردت فيها صيغة فعل الأمر أن القرآن أطلقها على عدة اعتبارات ولم يخصّها بالأمر. فقد وردت للوجوب كقوله تعالى: (أقِم الصلاة) ، وللندب كقوله: (فكاتبوهم) ، وللإرشاد كقوله: (فاستشهدوا) أي إذا أردتم إتمام معاملة فالأوفق لكم أن تجعلوا شهودًا عليها حتى لا يذهب حقكم. وقد وردت للإباحة كقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا) ، و (فإذا قُضِيَت الصلاة فانتشروا في الأرض) ، وللامتنان كقوله: (كلوا مما رزقكم الله) ، وللإكرام كقوله: (ادخلوها بسلام) ، وللتهديد كقوله: (افعلوا ما شئتم) (تمتعوا حتى حين) ، وللتسخير (كونوا قردة خاسئين) ، وللتعجيز (كونوا حجارة أو حديدًا أو خلقًا مما يكبُر في صدوركم) ، وللإهانة كقوله: (ذُق إنك أنت العزيز الكريم) ، وللتسوية (اصبروا أو لا تصبروا) .

…وعلى هذا، فإن صيغة فعل الأمر تحتمل عدة معان، فإذا وردت عارية عن القرائن كان لا بد من التماس القرينة في الكلام الذي وردت فيه أو في غيره مما ورد في موضوعه أو في الحال التي جاء في شأنها، حتى يتعين المراد بالأمر في النص أو يتعين المعنى المراد بصيغة فعل الأمر بالنص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت