…وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم وجوب أن يكون العمل وفق أحكام الإسلام، فقال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ) ، وما زال الصحابة رضوان الله عليهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تصرفاتهم حتى يعرفوا حكم الله فيها قبل أن يفعلوها، فقد أخرج ابن المبارك (أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتأذن لي في الاختصاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من خصى أو اختصى، وإن اختصاء أمّتي الصيام. قال: يا رسول الله أتأذن لي في السياحة؟ قال: سياحة أمّتي الجهاد في سبيل الله. قال: يا رسول الله أتأذن لي في الترهب؟ قال: إن ترهّب أمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة) . فهذا صريح بأن الصحابة ما كانوا يُقدمون على عمل إلاّ سألوا عنه قبل الإقدام عليه لمعرفة حكم الله فيه. ولو كان الأصل في الأفعال الإباحة لفعلوه وما سألوا عنه، فإذا حرّمه الله تركوه وإلاّ استمروا على فعله ولا حاجة بهم إلى السؤال.
…وأمّا سكوت الشارع عن أفعال لم يبيّن حكم الله فيها مع أن الناس كانوا يفعلونها، فليس معناه أن عدم إعطاء الشارع رأيًا قوليًا أو فعليًا دليل على إباحة الأفعال التي لم يبيّن فيها نص صريح قولي أو فعلي، بل معنى السكوت: أن الأفعال التي فُعلت أمام الرسول، أو كان يعلم أن الناس يفعلونها داخل سلطانه، دليل على إباحة هذه الأفعال فقط، لا على إباحة الأفعال مطلقًا، لأن سكوته عليه الصلاة والسلام على الأفعال، أي إقراره لها، دليل على إباحة هذه الأفعال. فالسكوت على الفعل يعتبر دليلًا على إباحته إذا كان ذلك مع العلم به بأنْ فُعل أمامه أو كان يعلم به. أمّا سكوته عن الفعل دون علمه به، أو عن الفعل الحاصل خارج سلطانه، وإن علم به، فلا يسمى سكوتًا باعتبار السكوت من الأدلة الشرعية.