…وحين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تَفضُل على صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة) فإنه يأمر بصلاة الجماعة ولو جاء الطلب بغير صيغة الأمر. وحين يقول: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) يأمر بزيارة القبور، إلاّ أن هذا الأمر أو هذا الطلب في هذين الحديثين مندوب، وليس بفرض. وكونه مندوبًا آتٍ من قرائن أخرى، مثل سكوته صلى الله عليه وسلم عن جماعة صلوا منفردين، وسكوته عن أناس لم يزوروا القبور. فدل على أنه طلبٌ غير جازم. وحين يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان موسرًا فلم ينكح فليس منا) ، وحين نقرأ نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التبتل، أي عن عدم الزواج في الحديث عن سُمرة (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل) ، نجد أن الرسول ينهى عن عدم الزواج للموسر في الحديث الأول وينهى عن عدم الزواج مطلقًا في الحديث الثاني، ولكن ليس معنى ذلك أن عدم الزواج للموسر حرام، وعدم الزواج مطلقًا حرام، بل هذا النهي يدل على أنه مكروه وليس بحرام. وكونه مكروهًا فقط آتٍ من قرائن أخرى، من مثل سكوته صلى الله عليه وسلم عن بعض الموسرين وهو يعرف أنهم لم يتزوجوا، وسكوته عن بعض الصحابة وهم لم يتزوجوا.
…وحين يقول الله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) (فإذا قُضيَت الصلاة فانتشروا) ، فإنه يأمر بالصيد بعد فك الإحرام، ويأمر بالانتشار بعد الصلاة، ولكن هذا الأمر لا يدل على أن الصيد بعد فك الإحرام فرض ولا مندوب، ولا على أن الانتشار بعد صلاة الجمعة فرض ولا مندوب، بل يدل على أنه مباح. وكون هذا مباحًا جاء من قرينة أخرى، وهو أن الله تعالى أمر بالصيد بعد الإحرام، وكان قد نهى عنه قبل الإحرام. وأمر بالانتشار بعد صلاة الجمعة، بعد أن كان نهى عنها عند صلاة الجمعة. فدلت تلك القرينة على أن هذا الأمر للإباحة، وأن الصيد في هذه الحالة، والانتشار في تلك الحالة مباح.