فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 127

…وقد بُلي المسلمون في هذه الأيام بكثير من أمثال هؤلاء الذين يسارعون للتحليل والتحريم بمجرد قراءتهم الأمر أو النهي في آية أو حديث. وأغلب ما يكون هؤلاء من الذين اكتشفوا أنفسهم أنهم يفهمون قبل أن يفهموا، ونادرًا ما يكون من الذين يفهمون معنى التشريع. ولذلك كان لا بد من فهم نوع خطاب الشارع قبل إعطاء الرأي في نوع الحكم الشرعي، أي لا بد من فهم معنى الحديث أو الآية فهمًا تشريعيًا لا فهمًا لغويًا فحسب، حتى لا يخطئ المسلم فيُحرّم ما أحلّ الله ويحلل ما حرّمه.

…وخطاب الشارع يُفهم بالنص، وبالقرائن التي تعيّن معنى النص. فليس كل أمر للوجوب، ولا كل نهي للتحريم، فقد يكون الأمر للندب أو الإباحة، وقد يكون النهي للكراهة.

…فالله تعالى حين يقول: (قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخِر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله... الآية) ، فإنه يأمر بالجهاد. وهذا الأمر في هذه الآية فرض، يعاقِب الله على تركه. ولكن كون هذا فرضًا لم يأت من صيغة الأمر وحدها، بل أتى من قرائن أخرى غيرها دلت على أن هذا الأمر طلب للفعل طلبًا جازمًا. وهذه القرينة نصوص أخرى، مثل قوله في آية ثانية: (إلا تنفروا يعذّبكم عذابًا أليمًا) . وحين يقول الله تعالى: (ولا تقربوا الزنا) فإنه ينهى عن الزنا، وهذا النهي في هذه الآية تحريم للزنا، يعاقب الله على فعله. ولكن كون هذا حرامًا، لم يأت من صيغة النهي وحدها، بل أتى من قرائن أخرى غيرها دلت على أن هذا النهي طلب للترك طلبًا جازمًا، وهذه القرينة نصوص أخرى، مثل قوله في نفس الآية: (إنه كان فاحشة وساء سبيلًا) ، وقوله في آية أخرى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت