فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 127

…ومن هنا كان المسلمون مأمورين بأن يسيّروا أعمالهم بحسب أحكام الإسلام، لأنهم ملزَمون بتسيير أعمالهم وفق أوامر الله ونواهيه، قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) . ولا يقال هنا: وما لم يأتكم به ولم ينهكم عنه فأنتم غير مكلَّفين به. لأن التكليف بالشرع عام لعموم الرسالة للإنسان وليس لأفعال معينة من أفعاله، قال تعالى: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا) ، فصار يتحتم أن يكون ما أتاكم به من حكمِ كل فعل وما نهاكم عنه من حكمِ كل فعل. وعليه فإن كل مسلم أراد أن يقوم بفعل من الأفعال لقضاء حاجاته والقيام بمصالحه، وجب عليه شرعًا أن يعرف حكم الله في ذلك الفعل قبل القيام به حتى يقوم به بحسب الحكم الشرعي فيه. ولا يقال هنا: إن هناك أشياء حدثت لم يَنُص الشرع عليها فترك لنا الاختيار في فعلها وعدم فعلها. لأن ذلك يعني أن الشريعة ناقصة وغير صالحة إلاّ للعصر الذي جاءت به. وهذا مخالف للشريعة نفسها، وللواقع الذي تنطبق عليه، إذ أن الشريعة لم تأت بأحكام تفصيلية لأشياء معينة حتى تقف عندها، وإنّما جاءت بمعان عامة لمشاكل الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن الزمان والمكان، فتندرج تحت هذه المعاني جميع الأفعال الجزئية. فإذا حدثت مشكلة أو جدَّت حادثة فإنها تُدرَس ويُفهم واقعها ثم يُستنبَط حلها من المعاني العامة التي جاءت بها الشريعة، فيكون ما استُنبط من رأي هو حكم الله في هذه المشكلة أو تلك الحادثة. وقد سار المسلمون على ذلك منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ذهاب الدولة الإسلامية. ولا يزال المسلمون المتمسكون بالإسلام يسيرون على ذلك. فقد حدثت مشاكل في أيام أبي بكر لم تكن في زمن الرسول، وحدثت مشاكل في أيام هارون الرشيد مثلًا لم تكن في أيام أبي بكر، فاستنبط لها المجتهدون الذين كانوا يُعَدّون بالمئات والألوف أحكامًا شرعية لم تكن معروفة من قبل. وهكذا ساروا في كل مشكلة، وكل حادثة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت