…إلاّ أن الغرائز ليست كالحاجات العضوية من حيث الدافع، بل تختلف عنها، لأن الحاجات العضوية دافعها داخلي، أمّا الغرائز فإن الذي يدفعها أو يُظهِر الشعور بتطلب الإشباع هو: إما أفكار تتداعى عن الشيء الذي يثير المشاعر، أو واقع محسوس يثير المشاعر للإشباع. فغريزة النوع مثلًا يثيرها التفكير بفتاة جميلة، أو بما يتعلق بالجنس، أو برؤية فتاة جميلة أو أي شيء يتعلق بالجنس. وإذا لم يحصل ذلك لا يحصل ما يثير الغريزة. وغريزة التدين يثيرها التفكير بآيات الله، أو في يوم القيامة، أو ما يتعلق بذلك، أو النظرة إلى بديع صنع الله مما في السموات والأرض، أو ما يتعلق بذلك. ومن هنا نجد الغريزة ظاهرة آثارها عند حصول ما يثيرها، ولا تُرى هذه الآثار في حالة عدم وجود ما يثيرها، أو في حالة تحويل ما يثيرها عن الإثارة بتفسيره تفسيرات مغالطة تُفقده لدى مفهوم الشخص صفته الأصلية التي تثير الغريزة.
…والتدين غريزة طبيعية ثابتة، إذ هو الشعور بالحاجة إلى الخالق المدبر بغض النظر عن تفسير هذا الخالق المدبر. وهذا الشعور فطري يكون في الإنسان من حيث هو إنسان، سواء أكان مؤمنًا بوجود الخالق، أو كافرًا به مؤمنًا بالمادة أو الطبيعة. ووجود هذا الشعور في الإنسان حتمي لأنه يخلق معه جزءًا من تكوينه، ولا يمكن أن يخلو منه أو ينفصل عنه، وهذا هو التدين.
…والمظهر الذي يظهر به هذا التدين هو التقديس لما يعتقد أنه هو الخالق المدبر، أو الذي يتصور أنه قد حل به الخالق المدبر. وقد يظهر التقديس بمظهره الحقيقي فيكون عبادة، وقد يظهر بأقل صوره فيكون التعظيم والتبجيل.