…وبذلك يكون الإنسان قد سار في طريق مستقيم، وعلى هدى من أمره، فيدرك الأمور على حقيقتها، بخلاف ما لو لم يجعل الشرع مقياسًا للحُسن والقُبح، بأن جَعل العقل مقياسًا له، فإنه يسير متخبطًا لأنه يصبح الشيء حسنًا في حال وقبيحًا في حال آخر، إذ العقل قد يرى الشيء الواحد حسنًا اليوم ثم يراه قبيحًا غدًا، وقد يراه حسنًا في بلد قبيحًا في بلد أخرى، فيصبح الحكم على الأشياء في مهب الريح، ويصبح الحُسن والقُبح نسبيًا لا حقيقيا. وحينئذ يقع في ورطة القيام بالفعل القبيح وهو يظنه حسنًا ويمتنع عن الفعل الحسن وهو يظنه قبيحًا.
…وعليه، كان لا بد من تحكيم الشرع وجعله مقياسًا للأفعال كلها وجعل الحَسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع.
التدين غريزة
…في الإنسان طاقة حيوية تدفعه للقيام بأعماله وتتطلب إشباعًا. وهذه الطاقة الحيوية ذات مظهرين اثنين: أحدهما يتطلب الإشباع الحتمي، وإذا لم تُشبع يموت الإنسان، وهذه هي الحاجات العضوية كالأكل والشرب وقضاء الحاجة. والثانية تتطلب الإشباع ولكن إذا لم تُشبع لا يموت الإنسان وإنّما يكون قلقًا حتى يشبعها، وهذه هي الغرائز، وعملها يكون بشعور طبيعي يندفع متطلبًا الإشباع.