فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 127

…والتقديس هو منتهى الاحترام القلبي، وهو ليس ناتجًا عن الخوف بل ناتجًا عن التدين. لأن الخوف ليس مظهره التقديس، بل مظهره الملق، أو الهروب، أو الدفاع، وذلك يناقض حقيقة التقديس. فالتقديس مظهر للتدين لا للخوف، فيكون التدين غريزة مستقلة غير غريزة البقاء التي من مظاهرها الخوف، ولذلك نجد الإنسان متدينًا. ومنذ أن أوجده الله على الأرض نجده يعبد شيئًا. فقد عبد الشمس والكواكب، والنار، والأصنام، وعبد الله. ولا نجد عصرًا، ولا أمّة، ولا شعبًا، إلاّ وهو يعبد شيئًا. حتى الشعوب التي قام فيها السلطان بالقوة يجبرها على ترك التدين، كانت متدينة تعبد شيئًا، رغم القوة التي تتسلط عليها، وتتحمل كل الأذى في سبيل أداء عبادتها. ولن تستطيع قوة أن تنزع من الإنسان التدين، وتزيل منه تقديس الخالق، وتمنعه من العبادة، وإنّما تستطيع أن تكبت ذلك إلى زمن، لأن العبادة مظهر طبيعي من مظاهر التدين الذي هو غريزة طبيعية في الإنسان.

…أمّا ما يظهر على بعض الملحدين من عدم العبادة، أو من الاستهزاء بالعبادة، فإن هؤلاء قد صُرفت غزيرة التدين عندهم عن عبادة الله إلى عبادة المخلوقات، وجعل مظهرها في تقديس الطبيعة أو الأبطال أو الأشياء الضخمة، أو ما شاكل ذلك، واستُعملت لهذا الصرف المغالطات والتفسيرات الخاطئة للأشياء.

…ومن هنا كان الكفر أصعب من الإيمان، لأنه صرفٌ للإنسان عن فطرته، وتحويل لها عن مظاهرها الحقيقية. فيحتاج ذلك إلى جهد كبير. وما أصعب أن ينصرف الإنسان عن مقتضى طبيعته وفطرته!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت