الصفحة 8 من 9

وتظهر أهمية هذا إذا تقرر لدينا أن الحكم فرع عن تصوره ومعرفته، ولذا يختلف الحكم الشرعي باختلاف صفة المسألة، وتختلف الفتوى باختلاف تصوير الحال(إذا الفقه يتأثر بالواقع مثلما يؤثّر فيه، ويأخذ منه مثلما يعطيه، ويتكيّف معه مثلما يكيّفه ويوجهه.

فالفقه الحق لابد أن يكون واقعيًا، يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه، ولا يلتفت عنه وهذا يقتضي المعرفة الجيّدة بالواقع ومكوناته وبالأشياء وأوصافها، إذ من دون هذا يمكن أن يقع تنزل الأحكام على غير ما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه) [1] .

والفقيه والمفتي لا يجوز لهما إصدار الحكم الشرعي على القضيّة المعروضة قبل استيعاب موضوعها واكتمال صورتها في الذهن، كالطبيب لا يقدم على العلاج حتى يشخّص الحالة والمرض تشخيصًا دقيقًا.

وهذا يستوجب في (الفقه الارتيادي) فهم ما يراد بحثه ومحاولة تصوره جيدا، ثم عدم التسرع بإطلاق القول الذي وصل إليه عند حصول الظاهرة مباشرة، بل يتحقق أولًا بأنّ واقعها هو ما تصوّره سابقًا وإلا فقد يتخلف وصف يغيّر الحكم.

وبذلك يتوجب على فقيه هذا النوع من المسائل أن يتصوّر تصورين:

الأول: تصوّر أولي قبل الوقوع يكمّل جوانبه ما استطاع ليقرر الحكم بناء عليه.

والثاني: تصور ثانٍ بعد الوقوع يعرف من خلاله اتفاق الواقع مع ما سبق تصوره، أو اختلافه، وهل الاختلاف موجب لتغيّر الحكم؟ أو هو في وصف غير مؤثر وليس له الفتوى إلا بعد تحقق هذين التصورين.

قال ابن القيم: (ولا يتمكّن المفتي أو الحاكم من الفتوى إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه .. والثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر) [2] .

وقد وقع لجملة من الفقهاء أخطاء فيما قرروه من أحكام شرعيّة سببها خطأ تصوّر النازلة وضعف فهم حالها.

4 -الأصل عدم النَّشْر حتى تبرز الظاهرة.

لأن نشر الكلام عما لم يقع لا ينفع، وإنما النفع في الاستعداد له؛ كما أن الواقع قد يختلف عمّا تصوره الفقيه فيحتاج إلى تغيير فتواه مما قد يشكل على الناس.

ومع ذلك فإنّه يمكن - عند ظن المصلحة - أن تنشر مثل هذه الفتاوى أو التقريرات مع إيضاح أنها فتوى أو دراسة مبدئية، ولتحرص على الاحتياط والتحرز وترك مجال لنضج الرأي وتحقق الواقع.

ومثل هذا قد يقال أيضًا عند أوّل بروز للظاهرة إذ لابد من التحرز والاحتياط من تطوّر الظاهرة المغير لبعض الأوصاف المؤثرة في تكييفها الشرعي، بترك مجال لمثل هذا.

وقد تناول أهل العلم في آداب وأحكام الفتوى أن السؤال متى كان محتملًا لصور عديدة، فله أن يفصّل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم أو يقيّد فيقول إن كان الأمر كذا وكذا فالجواب كذا وكذا [3] .

(1) الاجتهاد. د. أحمد الريسوني ص 64.

(2) إعلام الموقعين (1/ 87) ؛ وانظر: الطرق الحكمية ص 121.

(3) إعلام الموقعين (4/ 255) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت