الصفحة 7 من 9

قال بعد ذلك: (قلت: ومراد ابن عباس بقوله: ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة؛ المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلاّ فالمسائل التي سألوه عنها وبيّن لهم أحكامها بالسنّة لا تكاد تحصى، ولكن إنّما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعُضَل المسائل) [1] .

وأما الشاطبي فقد قرر أنّ الإكثار من الأسئلة مذموم واستدل على ذلك بنقول كثيرة من القرآن والسنة وكلام السلف ثم عقب ذلك بقوله: (ويتبيّن من هذا أنّ لكراهية السؤال مواضع منها: السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي؟. وما روي في التفسير أنّه عليه الصلاة والسلام سُئل ما بال الهلال يبدوا رقيقًا ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرًا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان، فأنزل الله: {يسألونك عن الأهلة} . فإنما أجيبوا بما فيه من منافع) [2] .

بل هذه المسائل التي لا يمكن وقوعها لا يُجاب عنها السائل، ولا يبحثها الفقيه، ولا يفتي فيها المفتي، بل يظهر له الإنكار على مثل هذا ويقول له: اشتغل بما يعنيك [3] .

2 -أن تقدّم العناية ببحث النوازل التي وقعت فعلًا، تقديمًا للأهم فالمهم.

ولا يسوغ في مقتضى العقل والمصلحة أن يتشاغل الإنسان عما هو واقع فيه فعلًا لمراعاة مقبل عليه لا يدري يصيبه أم لا.

وقد بحث القرافي في الفروق قاعدة تتعلّق بالترجيحات بين الأمور والأعمال المختلفة لينضبط للإنسان ما قدّمه الله تعالى على غيره؛ وقرر أنّه إذا تعارضت الحقوق قدم الفوري منها على المتراخي، ولذا يقدّم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته وإن كان أعلى رتبةً منه [4] .

ولا شك أن كل عمل مستعجل وملح يجب أن تعطى له الأسبقية خاصّة إذا تقرر لدينا أن بحثنا للمسائل التي نظن حصولها هو من الاستعداد لها فلا يصح أن نستعد لمسألة بتضييع أخرى أعجل منها.

وقد تقرر عند المختصين بالدراسات المستقبلية، أن الرؤية المستقبلية مشدودة ومشروطة بالحاضر، فالحاضر بداية المستقبل وأحسن طريقة لتوقع المستقبل هو فهم الحاضر [5] .

ولتطبيق هذا الضابط يمكن أن يخصّص باحثون وفقهاء معينون بالبحث والدراسة لهذا النوع من الفقه، ويبقى سائر الفقهاء والدارسين على اهتمامهم بدرس ما وقع، وبيان حكمه.

3 -الحذر من التصوّر المغلوط للمسألة:

(1) إعلام الموقعين (1/ 71) .

(2) الموافقات (4/ 319) .

(3) انظر: الإحكام للقرافي ص 264؛ الإنصاف للمرداوي (28/ 318) ؛ الفروع لابن مفلح (6/ 429) .

(4) الفروق (2/ 203) .

(5) دراسات التعليم المستقبلية، أحمد صيداوي، ص 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت