الصفحة 6 من 9

فلابد من بحث ما يترتب عليه حسبما توضحه تلك الدراسات وهي في الغالب تدرس آثار هذا على الميادين الصناعية والطبية والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فملاحضة ذلك يطعي تصورًا عما يمكن حصوله مما قد يكون له تأثير على الواقع، أو استحداث لما لم يقع سابقًا.

2 -دراسة مسيرة وتوجه المجتمعات:

فمن خلال تأمل ومتابعة الظواهر الحادثة أو المتزايدة في أي مجتمع وتحليل مضمونها وأسبابها وذلك من خلال الاستعانة بعدة مصادر؛ يمكن توقّع أن اتجاهاتٍ معينة ستسود المجتمع في المستقبل، وهذا نوع من الدراسة المستقبلية لكنّ تأثيره على الواقع واضح، ولا شك أن الأحكام المترتبة على العادات والأعراف والأحوال تتغيّر تبعًا لها.

ولاشك أن الفقيه عندما يستعد لمثل ذلك في فتواه الواقعة وهو يتصوّر التغيّر ويستعد له ويهيئ الناس لفهمه وفهم سبب تغيّر فتواه يكون قد أخذ من الفقه الارتيادي بأوفر الحظ.

3 -إعداد دراسات مستقبلية فقهيّة:

تقوم هذه الدراسات باستعمال آليات الدراسة المستقبلية المناسبة لتصور المسائل الممكنة ويمكنها مع الممارسة العملية ابتكار وسائل خاصّة بالدراسة المستقبلية الفقهيّة، كما وجد نظير ذلك في المجال القانوني.

بل إن من أهم خصال دارس المستقبل (سعة تصوره وجرأته في التوليد والاشتقاق والقياس، وتلك هي صفات الفقهاء .. ولذا فإن الفقهاء ترشحهم ممارساتهم الفقهيّة الاجتهادية لأن يتقنوا استشراف المستقبل بمهارة أكبر من أي مهارة يملكها غيرهم) [1] .

خامسا: ضوابط الفقه الارتيادي:

الفقه الارتيادي فقه يدرس الأمور المتوقعة سواء كانت نوازل مستجدة، أو تغيرات تفرض تغيّرًا في الحكم الشرعي، وذلك استعدادًا لها ليتلافى الفقيه والمفتي تأخير البيان عن وقت الحاجة، ومثل هذا الفقه يحتاج لضوابط تمنع أن يكون نوعًا من التكلّف المذموم، أو البحث عما لا فائدة منه، ومن هذه الضوابط:

1 -أن يقتصر البحث في المسائل التي يمكن أن تقع، أو يشهد الحال بإمكان وقوعها دون ما لا يمكن أن يقع أو لا يشهد شيء بإمكان وقوعها.

فقد اتفق الفقهاء على كراهة البحث فيما لا يمكن وقوعه؛ لأنّه لا نفع فيه، مع ما يتضمنه من تكلف القول في دين الله بلا حاجة، ومثل هذه المسائل لا يصلح بها الدين، ولا تنفع دنيا.

ولما ذكر ابن القيم - رحمه الله - قول ابن عباس رضي الله عنهما: (ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض صلى الله عليه وسلم، كلهن في القرآن: يسألونك عن المحيض، يسألونك عن الشهر الحرام، يسألونك عن اليتامى، ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم [2] .

(1) رؤى تخطيطية، محمد أحمد الراشد، ص 148، بتصرف يسير.

(2) سنن الدارمي (1/ 50) ؛ الطبراني في المعجم الكبير (12288) ، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 158) فيه عطاء بن السائب وهو ثقة، ولكنه اختلط وبقيّة رجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت