5 -مراعاة المستقبل في الحال والعكس.
وهذه المراعاة يمكن تطبيقها في أحوال، اذكر منها:
-التأكيد على سبب الحكم الشرعي المتوقع تغيره، لارتباطه بنظر مصلحي، أو عرف خاص فلا يطلق لفظ التحريم بدون بيان أن سببه هذا النظر، الذي إن تغيّر نتج عنه تغيّر الحكم , لأنّ الحكم متى تغيّر بتغيّر السبب الذي بنى عليه سبّب ذلك إشكالًا عند العامة.
بينما إذا أكّد الفقيه سبب الحكم أو احتمال تغيّره واختلافه كان النظر المستقبلي مراعىً لديه فأمن إشكالية سوءالفهم الناتجة عن تغير الحكم.
ولعل هذا مبعث اتهام كثير من الفقهاء بتغير فتواهم عند انتشار ظاهرة كانوا يحرمونها بأنه رضوخ للواقع، أو استسلام له، وهو في حقيقته قد يكون تغير الحال أو اختلاف العرف.
-بيان الحلول الشرعية للمشكلات القادمة , فيوجه المجتمع أصلًا - قبل حصول المشكلة - إلى خطة معينة أو وسيلة محددة يسلكها إما مطلقًا أو في حالات معينة.
فإذا استشرف الفقيه مثلا ازدياد الحاجة للتسهيلات المالية في وقت معين فيمكنه التأكيد على عدة طرق شرعية للحصول عليه حتى لا يلجأ أحد للقرض الربوي.
وإذا استشرف ازدياد التواصل المعرفي والانفتاح اجتهد في تعليم وبيان طريقة التعامل الشرعي مع الاختلاف وتباين الرأي.
إن الفقه(ما يزال يسير خلف المجتمع ليحكم على أفعاله , ويبيّن حكم الله فيها , بينما نرى أن الوضع الأمثل هو في عدم الاقتصار على ذلك , وإنما التحوّل للسّير أيضًا أمام المجتمع بحيث يبيّن له خط سيره, أي الانتقال مما هو واقع , إلى ما هو متوقّع بحيث يصبح الاجتهاد التنزيلي هو أيضًا اجتهاد واستشراف مستقبلي , وبذلك يكون الاجتهاد دليل المجتمع لعمل ما هو مشروع , والامتناع عمّا هو غير مشروع.
فلا بد أن يتحوّل نظر الفقيه من المؤخرة إلى المقدمة - بالعرف الاستراتيجي) [1] .
وبعد! فهذه التأملات العجلى أرجو أن تظهر أهمية الموضوع لينبري له أصحاب الهم والهمة ممن رزق بسطة العلم وسعة الأفق فيقوم بما يُسْعد المهتم ويفرح المتطلع للخير والله الموفق.
(1) تضمين من: من فقه الحالة. عمر عبيد حسنة ص 55.