ومثل هذا التفقه ينمى الملكة ويزيد الاستعداد , ويقوى الذهن وهو من مفاتيح تجديد الفقه وجعله مواكبًا لحاجة الناس قال ابن تيمية: (وما ذكره طائفة من الفقهاء من اجتماع صلاة العيد والكسوف فهذا ذكروه في ضمن كلامهم فيما إذا اجتمع صلاة الكسوف وغيرها من الصلوات مع عدم استحضارهم هل يمكن ذلك في العادة أولا يمكن , فلا يوجد في تقديرهم ذلك العلم بوجود ذلك في الخارج , لكن استفيد من ذلك العلم: علم ذلك على تقدير وجوده , كما يقدرون مسائل يعلم أنها لا تقع لتحرير القواعد وتمرين الأذهان على ضبطها) [1] .
وقرر ابن رجب أن من اتباع الحديث من سد باب المسائل حتى قلّ فقهه و علمه بحدود ما أنزل الله على رسوله وصار حامل فقه غير فقيه ومنهم من جعل معظم همه البحث عن معاني كتاب الله وما يفسّره من السنن الصحيحة وتشاغل عما لا ينفع ولا يقع وهذه طريقة علماء الحديث الربانيين.
وقابلهم فقهاء الرأي الذين توسعوا في توليد المسائل قبل وقوعها ما يقع وما لا يقع [2] .
وناقش المزني من ينكر البحث فيما لم يقع فقال: (أليس على كل مسلم أن يطلب الفرائض في الطهارة والصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك من الكتاب والسنة قبل أن ينزل ذلك؟ فإذا قال نعم , قيل: فكيف يجوز طلب ذلك في بعض الدين والجواب فيه و لا يجوز في بعض , وكل ذلك دين؟) [3] .
إن الملاحظ الآن على واقع الفقه والفتوى هو البطء الشديد في الاستجابة للمتغيرات , حتى تصدر الفتوى أحيانًا بعد تغيّر الوضع مما هو عليه إلى وضع جديد وذلك لعدم المبادرة حين ظهور المشكلة أو النازلة بل يؤخر الحكم والإفتاء حتى يتفاقم الوضع وتبدأ الاستجابات الخاطئة [4] .
ولذا فكثير من المسائل المستجدة هي الآن في حيّز الفراغ الفقهي وهذا بلا شك مؤدٍ إلى زعزعة ثقة الناس بالتشريع, وعدد غير قليل من الفتاوى والآراء الفقهيّة جاءت استجابة لأسئلة معينة أو أوضاع خاصّة لا تحمل التكامل المطلوب, ولا تعطي صورة حقيقية عن التشريع الإسلامي المواكب لجميع التطورات والتغيرات في الأزمنة والأمكنة.
مع أن شأن الفقهاء كان مخالفًا لذلك، فقد فرضوا مسائل لم تقع - أولا يتصور وقوعها أحيانًا - استيفاءً للتقسيم العقلي فكان في ذلك من إثراء الفقه وبيانه ما هو معروف.
رابعًا: طرق معرفة ما يستوجب البحث:
إذا تقرر أن العناية بحث الأحكام الشرعية المتوقع حصول مقتضياتها من نوازل تستجد أو أوضاع تتغير - مطلب متوجه، فإنه يمكننا محاولة استطلاع ذلك والتعرف عليه من خلال عدة طرق. منها:
1 -الاطلاع على الدراسات المستقبلية في المجالات العلميّة والتقنية وغيرها.
ولا شك أنَّ التقنية الحديثة من أهم المؤثرات على الحياة الإنسانية عمومًا فهي تؤثر في صحته ونفسيته ونظامه الاجتماعي وموارده الاقتصادية ولذا فالتنبه لمسار التقدم التقني مهم جدا فما تقرر الدراسات إمكانه (تكنولوجيًا)
(1) مجموع الفتاوى (42/ 257) .
(2) جامع العلوم والحكم (1/ 248) .
(3) الفقيه والمتفقه (2/ 31) .
(4) ما لم يقله الفقيه ص 20.