الصفحة 4 من 9

ومنها النهي عن السؤال على وجه التعنّت كاقتراح الآيات، ومنها السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطلبهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة، ومنها السؤال عما يكون سببًا للتشديد كما سبق.

ثم بيّن - رحمه الله - أن ما سبق من أنواع المسائل مختص بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأنّ ما هو باق بعد موته عليه الصلاة والسلام من السؤال المذموم هو السؤال المثبط عن الجد في متابعة تكاليف الشريعة فالمطلوب من المكلف صرف همته إلى امتثال أوامر الشرع، واجتناب نواهيه والوقوف عند معانيه أما لو صرف همته إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فهذا من السؤال المذموم لما يؤدي إليه من التثبيط عن الجد في متابعة الأمر، وقد سأل رجلٌ ابن عمر عن استلام الحجر فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله، فقال الرجل: أرأيت إن غلبت عليه أرأيت إن زوحمت فقال ابن عمر: أجعل أرأيت في اليمن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله [1] . ومراد ابن عمر أنّه لا يكن لك هم إلا في الاقتداء بالنبي ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك أو تعسّره قبل وقوعه، فإنّه قد يفتر العزم عن التصميم على المتابعة؛ فإنّ التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنّما يُحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال.

ولهذا المعنى كره كثير من السلف السؤال عن الحوادث قبل وقوعها [2] .

وأمّا الخطيب البغدادي فلعله من أكثر من أطال النفس في منافسة هذه المسألة وتوجيه نصوص السلف بأنها تقصد السؤال على سبيل التعنت والمغالطة أو على توقى القول خوف الزلل وهيبةً لما في الاجتهاد من الخطر وأن لهم عن ذلك مندوحة فيما لم يحدث ونقل عدة نقول من السلف في سؤالهم أو إذنهم بالسؤال عما لم يقع ثم ناقش ذلك نقاشًا مستفيضًا وقرر أنه: (مباحٌ النظر والجدل فيما نزل من الحوادث وفيما لم ينزل حتى يُعْرف حكم ما لم ينزل فإذا نزل عُمِل به) [3] .

ثالثًا: مشروعية الفقه الارتيادي:

الفقه الارتيادي فرد من أفراد المسائل التي لم تقع، والتي يراد ببحثها الاستعداد للعمل عند وقوعها، فهو بذلك منتظم فيما سبق ذكره.

وقد جاءت شواهد من الشرع عليه فمن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم على حكم حوادث قبل وقوعها، للعمل بها عند وقوعها.

عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله إنا نخاف أن نلقى العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟. قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ما خلا السن وظفر [4] .

وعن سلمه بن يزيد أن رجلًا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت لو كان علينا أمراء يسألونا الحق , ويمنعونا حقنا أفتقاتلهم قال: لا , عليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا). [5]

وقد سأله حذيفة رضي الله عنه عن الفتن [6] وسأله الصحابة عن الصلاة أيام الدجال إذ تتفاوت الأوقات.

(1) صحيح البخاري (1610) .

(2) جامع العلوم والحكم (1/ 243) .

(3) الفقيه والمتفقه (2/ 10 - فما بعدها) .

(4) صحيح البخاري (2488) ؛ صحيح مسلم (1968) .

(5) السنن الكبرى للبيهقي (8/ 158) ؛ الطبراني في المعجم الكبير (22/ 242) .

(6) صحيح البخاري (7084) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت